المشاهدات: 91   المدة: 3:13   الدقة: عالية
التصنيف: أشعار وقصائد   الكلمات الدلالية: تميم البرغوثي
تعليق بواسطة أحمد العثمانيے
إن هناك أنواعاً شتى من الديكتاتوريات، ومنها نوع يشوبه العته المقصود، وهو يقتضي أن يقوم الحاكم بتحركات لا منطق فيها بتاتاً، ولا فائدة لها، ولكنها بالغة القسوة والإيلام، لا لشيء إلا ليتعود الناس على أنه فوق كل قانون، ولا يخضع حتى لقوانين المنطق الطبيعي. الأمر شبيه بالساحر الذي يظهر للناس أنه يخرق التوقع، وأن قوانين الطبيعة لا تنطبق عليه، فينال بسلطة الإبهار منهم ما يشاء. وقد كان الحراس في معتقلات النازي يغيرون القوانين كل يوم، لكي لا يعلم السجناء ماذا يتوقعون، ويصبحوا في حالة خوف دائم، ويتقبلوا أي فعل يأتي به الحراس، مهما كان منافيا للمنطق.

السجون التي ملأها بعض الطغاة من حكامنا بالناس، تدخل في هذا التصنيف. فتراه يعتقل الأطفال لأنهم يحملون بلالين لم يعجبهم لونها، ويتهم الدمى بالإرهاب ويحبس طير اللقلق بتهمة التجسس. الحاكم يريد عمداً أن يظنه الناس مجنوناً مسلحاً، لأن الناس يخافون المجانين المسلحين، وخوف الناس رزق الحكام، لا بقاء لهم بدونه.
إلا أن هذا الظلم رغم شدته، أو ربما بسبب شدته، غير فعال، لأن كثرة المساجين تعني كثرة الأحرار، والخوف إذا زاد عن حده، ككل شيء، انقلب إلى ضده. ولذلك فهو لا يفلح في تثبيت أركان حكم الأباطرة غريبي الأطوار طويلاً.

ولكن حتى ذلك الحين يبقى الكرام معتقلين، ولا أدري ما يمكن ان يقال لهم، ولا يجوز لطليق أن ينصح معتقلاً، ولا حتى بعبارات تشجيع، فالمعتقلون مصدر شجاعة للطلقاء لا العكس. فهذه الأبيات لهم:


الصُّبْحِ مادِدْ مِنِ القُضْبَانْ صَوَابِعُه الخَمْسْ
يِغْمِسْ إِيدِيِه مْعَاكُوْ فِي الفُولْ، والشَّجَاعَةْ، غَمْسْ
والليلْ عَبِيطْ فَاكِرِ اْنُّه ثُوبْ مِغَطِّي الشَّمْسْ
والشَّمْسِ تِضْحَكْ عَلِيهْ، وِتْقُولْ لُهْ بَطَّلْ عَبَطْ
دَهْ اْنْتَ يَاْ دُوبْ نُصِّ كَوْكَبْ بَسِّ بَاصِصْ غَلَطْ
السِّجْنِ عَايِزْ يِعَبِّي بُكْرَةْ جُوَّةْ الأَمْسْ
فِيْ شْوَالْ كِدَهْ زَيِّ مَا يْعَبِّي الحَجَرْ والزَّلَطْ
وِبُكْرَةْ، بُكْرَاتْ كِتِيرْ، وِالأَمْسِ وَاحِدْ فَقَطْ
وِكُلِّ وَاحِدْ مِنِ اْصْحَابْنَا مَعَاهْ بُكْرَاهْ
فَكُلِّ سَجَّانْ يَاْخُدْ لُهْ شْوَالْ وِيِجْرِيْ وَرَاهْ
سَجَّانْ مَاْ لُوشْ بُكْرَةْ، شَافْ بُكْرَة فْ إِيْدِينَا، شَبَطْ
يَامَا هَجَمْ كَلْبِ عَ الأَشْبَالْ فَاْكِرْهُمْ قُطَطْ
وِشْوَالُهْ مِنْ شَرِّ أَعْمَالُه عَلِيهِ اْتْرَبَطْ
السِّجْنِ عَايِزْ يِعَبِّي بُكْرَةْ فِيْ اْمْبَارِحْ
حَبْسِ النَّوَايَةْ هَيِجْعَلْهَا شَجَرْ سَارِحْ
طَارِحْ رُصَاصْ، لا هُوْ نَاسي التَّارْ وَلا مْسَامِحْ
والثَّوْرَة، أَصْواتْ بَنَادِقْهَا، بِتِبْدَأْ هَمْسْ.