صفحة 6 من 10 الأولىالأولى ... 45 678 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 51 إلى 60 من 91
الموضوع:

رسائل غسان ڪنفاني و غادة السمان - الصفحة 6

الزوار من محركات البحث: 504 المشاهدات : 2920 الردود: 90
جميع روابطنا، مشاركاتنا، صورنا متاحة للزوار دون الحاجة إلى التسجيل ، الابلاغ عن انتهاك - Report a violation
  1. #51
    من أهل الدار
    تاريخ التسجيل: June-2018
    الدولة: بــــغـــداد
    الجنس: أنثى
    المشاركات: 36,648 المواضيع: 4,946
    صوتيات: 1 سوالف عراقية: 1
    التقييم: 25567
    مزاجي: متغير
    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة Secluded مشاهدة المشاركة
    يبدو أننا سنتشاجر مرة أخرى.. ولكن أرجوك يا غادة. اجلسي لنفسك قليلا واستعيدي ما فعلته بي عاماً كاملًا، كان الصمت أكثر من الكلام. كان البعد أكثر من القرب. كان الوهم أكثر من الحقيقة. كان الرفض أكثر من القبول. كان التحايل أفظع من المواجهة ... لقد حرصتِ مثلاً في الأيام الأخيرة على المطالبة بأسطواناتك بانتظام وبإصرار، ولكنك أبداً لم تفكري بكم أحتاج لآلة التصوير ولأسطواناتي.. وسافرتِ دون أن تكترثي!
    إنها تلخص شيئاً أكبر من مجرد هذه الأشياء: لو فكرتٍ قليلاً. لو عدلت. لو أعدت بينك وبين نفسك تقييم ما كنتِه لي وما كنته لك ... لو عرفت أنني في عام كامل كنتُ دائماً عندك ولك!"
    ...

  2. #52
    من أهل الدار
    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة Secluded مشاهدة المشاركة
    يا حبيبتي الشقيّة.. ما الذي يبقى؟ ما قيمتي الآن دونك وما نفع هذا الضياع ونفع هذه الغربة؟ لم يكن أمامنا منذ البدء إلا أن نستسلم:
    للعلاقة أو للبتر، ولكننا اخترنا العلاقة بإصرار إنسانين يعرفان ما يريدانه.. لقد استسلمنا للعلاقة بصورتها الفاجعة والحلوة ومصيرها المعتم والمضيء وتبادلنا خطأ الجبن: أما أنا فقد كنت جباناً في سبيل غيري، لم أكن أريد أن أطوّح بالفضاء بطفلين وامرأة لم يسيئوا إليّ قط مثلما طوّح بي العالم القاسي قبل عشرين عاماً، أما أنت فقد كان ما يهمك هو نفسك فقط.. كنت خائفة على مصيرك وكنتُ خائفاً على مصير غيري، وقد أدى الارتطام إلى فجيعة لا هي علاقة ولا هي بتر.. أتعتقدين أننا كنا أكثر عذاباً لو استسلمنا للقطيعة أو لو استسلمنا للعلاقة؟ لا!
    أم أنا فأريد العلاقة. ذلك (الاستسلام الشجاع» لحقيقة الأشياء... تحدثتِ أنت عن «أكثر الميتات كرامة».. هل تقولين أينها؟ في العلاقة أم البتر؟ قولي شيئاً بحق الشياطين!
    ...

  3. #53
    من أهل الدار
    ١٩٦٧/٤/١١
    غادة ..
    لست أعرف ماذا يتعين عليّ أن أكتب لك .. لقد أرسلت لك رسالة مطولة منذ أسبوع، ومع ذلك فرسائلك تقول أنك لم تتسلمي شيئاً، وأنا أشعر بالذنب، وأخشى أن تعتقدي للحظة أنني العب دوراً، أو أن نبضي لك قد أخذ يخفق في فراغ، أو أنه صمت، أو أنه اتجه نحو مرفأ آخر:
    دونك أيتها الغالية لا شيء ولا أحد.. وغيابك - ليكن من يكن الذي سيختاره - لن يعوض.. بعدك مستحيل. دونك لا شيء ولكن غيرك غير ممكن.
    أنت في جلدي، وأحسك مثلما أحس فلسطين: ضياعها كارثة بلا أي بديل، وحبي شيء في صلب لحمي ودمي، وغيابها دموع تستحيل معها لعبة الاحتيال،
    لقد وقع الأمر، ولا فرار.. العذاب معك له طعم غير طعم العذاب دونك، ولكنه، دائماً، عذاب جارح، صهوة تستعصي على الترويض.
    إنني أكره ما يذكرني بك، لأنه ينكا جراحاً أعرف أن شيئاً لن يرتقها. أنا لا أستطيع أن أجلس فارتق جراحي مثلما يرتق الناس نمصانهم... ويا لكثرة الأشياء التي تذكرني بك: الشعر الأسود حين يلوّح وراء أي منعطف يمزع جلدي، النظارات السود ما تزال تجرحني.... السيارات، الشوارع، الناس، الأصدقاء الذين تركتٍ على عيونهم بصماتك، المقاعد، الأكل، الكتب، الرسائل، المكتب، البيت، الهاتف، كل ذلك، كله.. هو أنت، وقبله: أذكرك طالما أنا أنا.. وحين أنظر إلى كفي أحسك تسيلين في أعصابي.. وحين تمطر أذكرك، وحين ترعد أسأل: من معها؟ وحين أرى كأساً أقول: هي تشرب؟ ثم ماذا؟
    لقد صرتِ عذابي، وكتب عليّ أن ألجأ مرتين إلى المنفى، هارباً أو مرغماً على الفرار من أقرب الأشياء إلى الرجل وأكثرها تجذراً في صدره:
    الوطن والحب.
    وإذا كان عليّ أن أناضل من أجل أن أسترد الأرض فقولي لي، أنت أيتها الجنية التي تحيك، كل ليلة، كوابيسي التي لا تحتمل.. كيف أستردك؟
    أقول لك، دون أن أغمض عينيّ ودون أن أرتجف: إنني أنام إلى جوارك كل ليلة، وأتحسس لحمك وأسمع لهاثك وأسبح في بحر العتمة مع جسدك وصوتك وروحك ورأسك، وأقول وأنا على عتبة نشيج: يا غادة يا غادة يا غادة ...
    وأغمض عينيّ
    وحين أكتب ليس ثمة قارىء غيرك، وحين أقود سيارتي في تعب الليل وحيداً أتحدث إليك ساعات من الجنون، أتشاجر، أضحك، أشتم السائقين، أسرع، ثم أقف: أحتويك وأقبلك وأنتشي.
    إنني على عتبة جنون ولكنني أعرف قبل أي إنسان آخر أن وجودك معي جنون آخر له طعم اللذة، ولكنه - لأنك أنتٍ، التي لا يمكن أن نصلح في قالب أريده أنا - جنون تنتهي حافته إلى الموت!
    أمس رن الهاتف في المنزل، ورفعت السماعة.. لم يكن ثمة أحد
    يتكلم على الطرف الآخر وهمست، بعد لحظة، بصوت جبان: غادة؟ وهذا كله لا يهمك.. أنت صبيّة وفاتنة وموهوبة .. وبسهولة تستطيعين أن تدرجي اسمي في قائمة التافهين، وتدوسي عليه وأنت صعدين إلى ما تريدين.. ولكنني أقبل.. إنني أقبل حتى هذه النهاية التعيسة!
    ماذا أقول لك؟ إنني أنضح مرارة.. يعصر لساني الغضب مثلما يعصرون البرتقال على الروشة، لا أستطيع أن أنسى، ولا أستطيع أن أبعد عن وريدي شفرة الخيبة التي بذلتِ جهداً، يشهد اللّٰه كم هو كبير، لتجعلينني أجترعها بلا هوادة!
    ماذا يهم؟ ها أنتِ تكتبين الآن وأنتِ على بعد الفي ميل ما كنت تستطيعين أن تقوليه حين كنا يداً في يد ... ومع ذلك فهاتي الحب! كيف؟ كيف؟
    لا أعرف ماذا أريد. لا أعرف ماذا أكتب. لا أعرف إلى أين سأنتهي. والآن - خصوصاً - أنا مشوش إلى حد العمى: إن النقرس يفتك بي مثل ملايين الإير الشيطانية. اشفقي عليّ أيتها الشقية... فذلك، على الأقل، شيء يقال.
    قلت: نتحادث في الهاتف.. أما أنا فليس لدي قرش أستطيع أن أصرفه، وأن أصرفه خصوصاً على عذاب لا أحتمله. لقد تقوّض هذا الشيء الذي كنته، وأنا حطام، وأعرف أن ذلك شيء لا يسرّك كثيراً، ولكنه حدث: عنوان القصة.
    حازم (١)؟ أجل حازم، من نوع أكثر صميمية: إنني أكثر شجاعة منه في وجه العدو المعذب، ولكنني أقل منه شجاعة في وجه الحب.
    إنني أعطيك بطل قصة، مخلوق جدير بالتفحص في أنبوب اختبار..
    وسأكون سعيداً لو عرفتٍ كيف تكتبين عن رجل أحبك حقاً، ولم يخطىء معك، وظل يحترمك، ولم يكترث بأيما شيء في سبيلك... دون أن تمنحي بالمقابل شيئاً إلا «أذان الآخرين» والاغتراب والصمت.
    لا تتحدثي معي بالهاتف.. اكتبي لي كثيراً .. أنا أحب رسائلك إلى حد التقديس، وسأحتفظ بها جميعا وذات يوم سأعطيها لك.. إنها -
    أيتها الشقية - أجمل ما كتبتِ وأكثرها صدقاً ..
    كنتُ قلتُ لك في رسالتي السابقة انهم يريدونك لتكتبي للمصور من
    الندن.. حاولي أن تفعلي، واكتبي لأحمد بهاء الدين.
    أرجوكِ: أكتبي لي.
    غسان كنفاني

  4. #54
    من أهل الدار
    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة Secluded مشاهدة المشاركة
    دونك أيتها الغالية لا شيء ولا أحد.. وغيابك - ليكن من يكن الذي سيختاره - لن يعوض.. بعدك مستحيل. دونك لا شيء ولكن غيرك غير ممكن.
    أنت في جلدي، وأحسك مثلما أحس فلسطين: ضياعها كارثة بلا أي بديل، وحبي شيء في صلب لحمي ودمي، وغيابها دموع تستحيل معها لعبة الاحتيال،
    لقد وقع الأمر، ولا فرار.. العذاب معك له طعم غير طعم العذاب دونك، ولكنه، دائماً، عذاب جارح، صهوة تستعصي على الترويض.
    ...

  5. #55
    من أهل الدار
    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة Secluded مشاهدة المشاركة
    إنني أكره ما يذكرني بك، لأنه ينكا جراحاً أعرف أن شيئاً لن يرتقها. أنا لا أستطيع أن أجلس فارتق جراحي مثلما يرتق الناس نمصانهم... ويا لكثرة الأشياء التي تذكرني بك: الشعر الأسود حين يلوّح وراء أي منعطف يمزع جلدي، النظارات السود ما تزال تجرحني.... السيارات، الشوارع، الناس، الأصدقاء الذين تركتٍ على عيونهم بصماتك، المقاعد، الأكل، الكتب، الرسائل، المكتب، البيت، الهاتف، كل ذلك، كله.. هو أنت، وقبله: أذكرك طالما أنا أنا.. وحين أنظر إلى كفي أحسك تسيلين في أعصابي.. وحين تمطر أذكرك، وحين ترعد أسأل: من معها؟ وحين أرى كأساً أقول: هي تشرب؟ ثم ماذا؟
    لقد صرتِ عذابي، وكتب عليّ أن ألجأ مرتين إلى المنفى، هارباً أو مرغماً على الفرار من أقرب الأشياء إلى الرجل وأكثرها تجذراً في صدره:
    الوطن والحب.
    وإذا كان عليّ أن أناضل من أجل أن أسترد الأرض فقولي لي، أنت أيتها الجنية التي تحيك، كل ليلة، كوابيسي التي لا تحتمل.. كيف أستردك؟
    ...

  6. #56
    من أهل الدار
    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة Secluded مشاهدة المشاركة
    إنني على عتبة جنون ولكنني أعرف قبل أي إنسان آخر أن وجودك معي جنون آخر له طعم اللذة، ولكنه - لأنك أنتٍ، التي لا يمكن أن نصلح في قالب أريده أنا - جنون تنتهي حافته إلى الموت!
    ...

  7. #57
    من أهل الدار
    ١٩٦٨/٨/٢٥
    عزيزتي غادة..
    في نفس اليوم الذي تلقيت فيه رسالتك كنت قد أخذت عنوانك من سليم وعزمت على الكتابة لك مطولاً، ولكن حين قرأت اسم كريس في العنوان انتابني شيء غامض، واكتفيت بأن أكتب لك، على عنواني نزلت علي رسالتك كما المطر على أرض أعتصرها اليباس. مثلك لا شيء. مكانك لا يملأ، كلماتك وحدها التي لها صوت يغطس إلى أعماقي.
    أراك دائماً أمامي، أشتاقك، أعذب نفسي بأن أحاول نسيانك فأغرسك اكثر في تربة صارت كالحقول التي يزرعون فيها الحشيش: لا تقبل زرعاً غيره إلا («عباد الشمس»، وأنا لن أنهي حياتي عباداً للشمس. أقول لك:
    إنني أشتهيك، ولا أستحي لأنك صرت الشيء الوحيد الذي أخفق له . هل سأراك حين تعودين؟ أم تفضلين الكفر بتلك الساعات التي جبلت في لحمنا حتى القرار؟
    مأساتي (ومأساتك) انني أحبك بصورة أكبر من أن أخفيه وأعمق من أن تطمريها. أتراك في نفس المكان؟ إذن يا للمأساة التي لن تنتهي! أقول لك: تعالي، ودعينا نهدم الجدران جميعاً، إن حياتنا أصغر من أن نهدرها في الشطارة. أعترف!
    ... وهأنذا مَتروك هنا، كشيء!
    كيف تركتك تذهبين؟
    كيف لم تطبق كفاي عليك مثلما يطبق شراع في بحر التيه على حفنة ريح؟
    كيف لم أذوبك في حبري؟ كيف لم أجعل من لهاثينا معاً زورقنا
    الواحد إلى نبض الحياة الحقيقي؟
    كيف ذهبت دون أن أحس بك؟ كيف مرت عيناك في عمري دون أن تتركا على وجهي بصماتهما؟ كيف لم أتمسك بك؟ كيف تركتك - يا هوائي وخبزي ونهاري الضحوك - تمضين؟
    أيتها المرأة الطليقة، يا من قبلك لم أكن وبعدك لست إلا العبث، من بحر عينيك سقيت ضياعي جرعة الماء التي كانت دائماً سراباً، وفوق راحتيك تعرفت إلى مرساتي ووسادتي وليلي.
    يا طليقة! أيتها المرأة التي مثلك لا يرى، أيها الشعر الذي رف تحت جفني مثل جناحي عصفور ولد في رحم الريح، أيتها العينان اللتان تمطران خبز القلب وملح السهوب الجديبة، يا طليقة: كيف انخلعت هكذا عني؟ كيف شلت مرساتك من عشبي وتركت بحري؟ بعدكِ ليس إلا الخواء، دونك لست إلا قطرة مطر ضائعة في سيل.
    عشت معك حقيقة عمري. ضعت فيك إلى حد لم أصدق أنه قد تمضين، كان ذلك مثل المستحيل، ولكنك - ذات صباح - غبت، كما لو أن شروقك في جبيني لم يكن!
    وورقة على حافة الفجيعة :
    «غادرت لتوك، وما زلت أحسك بين ذراعي. راقبت المصعد يهبط، الضوء ينطفيء، خطواتك تختفي. وغدأ سأراك لأودعك، ولكن ذلك ميكون مرعبا، إلا إذا تصرفنا بحذاقة غير إنسانية ... هل أقول لك: إلى اللقاء؟ إنها كلمة ليست شخصية بصورة كافية، تبدو وكأن شخصاً ما قد استعملها قبل لحظة وتركها مرمية هناك. الشيء الوحيد الذي أستطيع أن أقوله ..)»
    أيتها الطليقة ...
    ذلك كله عبث. الكلمات كلها علكت من قبل أناس أخرين، ولكن وقع يدكِ على جبيني كان دائماً ولادة لشيء رائع ومتوهج، مثل ومضة لهب، كان دائماً شيئاً خاصاً وشخصياً ولا يعوض.
    الكلمات عبث، أيتها السحابة التي أمطرت على جفافي موسماً من الخصب، ولكن في عينيك كانت توجد دائما الكلمة الجديدة البكر التي لم تصدأ من كثرة ما تناقلتها الشفاه. كانت تولد في قبضة الصمت نبضا عبقرياً يلتمع بالدهشة.
    التعوية الكلماتي ترعها جدا ناوماً لوما ال وامواتا. حقد كان
    شعرك مطري، وراحتك وسادتي، وذراعك جسري، وعيناك بحري، وشفتاك كأسي. كان انتظارك عمري، وحضورك ولادتي وغيابك ضياعي ..
    وها أنت تذهبين مثلما تعبر ريح الصباح شباكاً مهجوراً : تحيبه لحظة، ثم تعيده إلى الغيب ...
    كيف تركتك تذهبين؟ ما الذي سأفعله بعدك؟ أي أرض ستخصب
    بعدك؟ وأي شباك سيدخل إلى جفافي ويباسي ريح الصبح؟ سأعلك الندم عمري. ندمك وندمي. لقد نسفنا بأيدينا الشجرة الوحيدة التي صادفناها في رحلة عمرينا، ولم يبق أمامنا إلا أن نكمل الشوط في قيظ الوحدة التي لا ترحم. أنت وأنا اعتقدنا أن في العمر متسع لسعادة أخرى، ولكننا مخطئون، المرأة توجد مرة واحدة في عمر الرجل، وكذلك الرجل في عمر المرأة، وعدا ذلك ليس إلا محاولات التعويض، بذل النسيان والندم راقة فوق راقة.
    إن أسعدنا هو أبرعنا في التزوير، أكثرنا قدرة على الغوص في بحر الأقنعة. ننسى؟ ذلك مستحيل، وأنا - أيضا - لا أريد أن أنسى. ليس بوسعي أن أطمر الزهرة الوحيدة في عمري هكذا، لمجرد أنك ذهبت، وأن أملي في أن ألقاك هو مثل أملي في أن ألقى طفولتي.
    فيا أيتها الطليقة التي حملها جناحاها إلى أرض لا أعرفها، والتي كان علي منذ البدء أن أعرف بأنها، مثل العصافير، ستضرب في فراغ السماء وجاذبية المدى الذي لا يحده حد، لست أطمع منك بالعودة. لقد رف جناحاك في زنزانتي وتركا في هوائها الساكن شيئا يشبه خفق القلب، زرعا في صمتها خفقة طليقة وتركاها تغطس في وحدتها المرة.
    لست أطمع منك بالعودة، فالعصافير لا تسكن أعشاشها مرتين،
    وحين نفضت عن ريشك كسل القرار عرفت أنا أنك لن تعودي..
    ولكن كيف تركتك تذهبين؟ كيف لم أربط نفسي إليك مثلما ربط
    السندباد نفسه إلى ريش الرخ؟
    ليس عندي، أيتها الطليقة، يا خبزي ومائي وهوائي، إلا الندم،
    وبعيداً في قراره توجد بذرة للشجرة القادمة.
    بلى.
    سأراك مرة أخرى، ذات يوم. ترانا - يومذاك - سنكسر من حول جلودنا يراقات النسيان التي سنبنيها فوق اللحظات النادرة في حياتنا، كي لا نظل صرعى الخذلان؟
    إن العمر خديعة، يا طليقة، وإلا كيف يمكن أن يكون عمري معك عمراً وعمري دونك عمراً أيضاً، وكيف يمكن - بعد هذين العمرين - أن أراك مرة أخرى وتكونين أنت وأكون أنا؟ لماذا لا؟
    ماذا أقول لك؟ إن النسيان هو أحسن دواء اخترعه البشر في رحلتهم المريرة، ومع ذلك فأنا لن أنساك. أنت تخفقين في رأسي مثل جناحي عصفور طليق، أمام بصري ينتثر ريش الطائر الذي حط وطار، مثل لمح البصر ...
    وها أنذا، متروك هنا كشيء، على رصيف انتظار طويل، يخفق في بدني توق لأراك، وندم لأنني تركتك تذهبين. أشرع كفي اللتين لم تعرفا، منذ تركت، غير الظمأ.
    وأقول: تعالي..

  8. #58
    من أهل الدار
    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة Secluded مشاهدة المشاركة
    نزلت علي رسالتك كما المطر على أرض أعتصرها اليباس. مثلك لا شيء. مكانك لا يملأ، كلماتك وحدها التي لها صوت يغطس إلى أعماقي.
    أراك دائماً أمامي، أشتاقك، أعذب نفسي بأن أحاول نسيانك فأغرسك اكثر في تربة صارت كالحقول التي يزرعون فيها الحشيش: لا تقبل زرعاً غيره إلا («عباد الشمس»، وأنا لن أنهي حياتي عباداً للشمس.
    ...

  9. #59
    من أهل الدار
    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة Secluded مشاهدة المشاركة
    مأساتي (ومأساتك) انني أحبك بصورة أكبر من أن أخفيه وأعمق من أن تطمريها. أتراك في نفس المكان؟ إذن يا للمأساة التي لن تنتهي! أقول لك: تعالي، ودعينا نهدم الجدران جميعاً، إن حياتنا أصغر من أن نهدرها في الشطارة.
    ...

  10. #60
    من أهل الدار
    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة Secluded مشاهدة المشاركة
    أيتها المرأة الطليقة، يا من قبلك لم أكن وبعدك لست إلا العبث، من بحر عينيك سقيت ضياعي جرعة الماء التي كانت دائماً سراباً، وفوق راحتيك تعرفت إلى مرساتي ووسادتي وليلي.
    يا طليقة! أيتها المرأة التي مثلك لا يرى، أيها الشعر الذي رف تحت جفني مثل جناحي عصفور ولد في رحم الريح، أيتها العينان اللتان تمطران خبز القلب وملح السهوب الجديبة، يا طليقة: كيف انخلعت هكذا عني؟ كيف شلت مرساتك من عشبي وتركت بحري؟ بعدكِ ليس إلا الخواء، دونك لست إلا قطرة مطر ضائعة في سيل.
    عشت معك حقيقة عمري. ضعت فيك إلى حد لم أصدق أنه قد تمضين، كان ذلك مثل المستحيل، ولكنك - ذات صباح - غبت، كما لو أن شروقك في جبيني لم يكن!
    ...

صفحة 6 من 10 الأولىالأولى ... 45 678 ... الأخيرةالأخيرة
تم تطوير موقع درر العراق بواسطة Samer

قوانين المنتديات العامة

Google+

متصفح Chrome هو الأفضل لتصفح الانترنت في الجوال