صفحة 5 من 10 الأولىالأولى ... 34 567 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 41 إلى 50 من 91
الموضوع:

رسائل غسان ڪنفاني و غادة السمان - الصفحة 5

الزوار من محركات البحث: 494 المشاهدات : 2905 الردود: 90
جميع روابطنا، مشاركاتنا، صورنا متاحة للزوار دون الحاجة إلى التسجيل ، الابلاغ عن انتهاك - Report a violation
  1. #41
    من أهل الدار
    تاريخ التسجيل: June-2018
    الدولة: بــــغـــداد
    الجنس: أنثى
    المشاركات: 36,631 المواضيع: 4,946
    صوتيات: 1 سوالف عراقية: 1
    التقييم: 25565
    مزاجي: متغير
    فندق
    كليوپاترا
    في قلب القاهرة.. ميدان التحرير تليفون:
    ١٠) ٧٠٤٢٠ خطوط)
    تلغرافيا: «كليوتيل» القاهرة
    ليل ١٩٦٧/٢/١
    عزيزتي غادة.. يلعن دينك!
    ما الذي حدث؟ تكتبين لكل الناس إلّا لي؟ اليوم في الطائرة قال لي سليم اللوزي أنك كتبت له أو لأميّة لم أعد أذكر، وأمس قال لي كمال انه تلقى رسالة منك... وأخرين! فما الذي حدث؟ لا تريدين الكتابة لي؟ معلش! ولكن انتبهي جيداً لما تفعلين: ذلك سيزيدني تعلقاً بك!
    اليوم صباحاً وصلت إلى القاهرة، وفي الظهر مرضت، ربما لأنني لم أنم أمس إطلاقاً، وربما لأن الطقس تغير فجأة: من البرد الخبيث المتسلل من الجبل إلى بيروت، (إلى قميصي بالذات!) إلى الشمس الصريحة في الدفء الشتوي الرائع هنا.. وهكذا تخلصت من مسؤولياتي في المؤتمر ، وتشاجرت مع شقيقي وقمت بجولة في المقاهي حيث قابلت الأصدقاء وعدت، لأكتب لك!
    يكبر غيابك في صدري بصورة تستعصي على العلاج يدهشني أنني لم أجد في المطار شخصاً يقول لي : رسالة لك يا سيدي من لندن .
    يخفق قلبي كلما دق جرس الهاتف في هذه الغرفة العالية ثم لا أسمع صوتك ينادي، كالوشوشة: «غسان !» أقول لك أيتها الشقية: أخاف أن التفت هذه اللحظة إلى الكرسي المقابل فلا أراك هناك! ماذا تراك تفعلين الآن؟ أعوّضت غسانك التعيس؟ هل وفقت في استبدال سذاجته وحدّته وضيق أفقه وسخافاته (واستقامته الطفلة) بشيء أكثر جدوى؟ أتعتقدين أنك نجحتٍ في طمري تحت أوراق «سقوطهم إلى القمة»؟ هل نجحتْ قطع الضباب بلندن في تكوين نعش لذكرياتنا؟ هل جف مرج الشوك الحلو؟ هل ستعودين؟
    لو كنتِ هنا. لو كنتِ معي في هذه الغرفة البعيدة العالية لكان العالم. دونك لا يستطيع الجدار أن يخبىء شيئاً. أتراك تشعرين كم يموت عمرنا أمام أعيننا؟ أتراك تحسين وأنت في منفاك الاختياري كم يقتلني خوفك وكم يحز ترددك في أوردتي؟ ثم لا تكتبين! إذا كنتِ تعتقدين إنكِ حرامٌ على يديّ فهل حروفُك حرامُ على عينيّ؟ ومع ذلك فسأترك بيادر القش تلتهب في صدري وجسدي حتى يأتي ذات يوم تطفؤها فيه راحتاك. أنت. أيتها المرأة قبل ألف مرة من أن تكوني أديبة وكاتبة. أنت، الأديبة والكاتبة والذكية التي تجعل منك ألف امرأة!
    إنني مريض حقاً. لا أريد أن أشعرك بأي قلق علي (إن كان ذلك ممكنا)، ولكن الغرفة تدور الآن، وكالعادة أحتاج كما أعتقد إلى نوم كثير... بطاقتك التي وصلتني إلى بيروت (شو هالبرد) كانت رائعة، هل قلت لك ذلك في الرسالة الماضية؟ أريد أن أجد لدى عودتي صندوقاً من الرسائل في حجم شحنة ويسكي. أوصيت زميلا أن يحمل لك ٢٠ علبة (سالم)،
    سمعت عاطف يقول إنه تلقى منك طلباً بهذا الموضوع، أرجو أن يكونوا قد وصلوا، إذا وصلوا لا تنفخي مع دخانهم اعتزازي بك، وبكل شيء لك ومنك وعنك.
    غسان
    اليوم الأربعاء.. أعتقد أنني سأعود السبت إلى بيروت، أريد أن أقرأ منك!.

  2. #42
    من أهل الدار
    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة Secluded مشاهدة المشاركة
    عزيزتي غادة.. يلعن دينك!
    ما الذي حدث؟ تكتبين لكل الناس إلّا لي؟ اليوم في الطائرة قال لي سليم اللوزي أنك كتبت له أو لأميّة لم أعد أذكر، وأمس قال لي كمال انه تلقى رسالة منك... وأخرين! فما الذي حدث؟ لا تريدين الكتابة لي؟ معلش! ولكن انتبهي جيداً لما تفعلين: ذلك سيزيدني تعلقاً بك!
    ...

  3. #43
    من أهل الدار
    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة Secluded مشاهدة المشاركة
    لو كنتِ هنا. لو كنتِ معي في هذه الغرفة البعيدة العالية لكان العالم. دونك لا يستطيع الجدار أن يخبىء شيئاً. أتراك تشعرين كم يموت عمرنا أمام أعيننا؟ أتراك تحسين وأنت في منفاك الاختياري كم يقتلني خوفك وكم يحز ترددك في أوردتي؟ ثم لا تكتبين! إذا كنتِ تعتقدين إنكِ حرامٌ على يديّ فهل حروفُك حرامُ على عينيّ؟ ومع ذلك فسأترك بيادر القش تلتهب في صدري وجسدي حتى يأتي ذات يوم تطفؤها فيه راحتاك.
    ...

  4. #44
    من أهل الدار
    فندق
    كليو پاترا
    CLEOPATRA
    PALACE HOTEL
    القاهرة ١٩٦٧/٢/٤
    عزيزتي الشقية، الضائعة، المسافرة التي لا تتذكر!
    غداً ظهراً سأكون من جديد في الفراغ الجديد في بيروت، لقد حدثت أمور هامة هنا منذ وصلت، فقد أبلغتني المنظمة التي انتدبتني لتمثيل فلسطين في المؤتمر السياسي لاتحاد الصحفيين العرب أنها قررت فجأة، ولأسباب تافهة كما يبدو لم يقدر لي أن أعرفها، أن تقاطع المؤتمر، وهكذا وجدتني فجأة بلا عمل، وجعلني هذا الوضع أكثر استعداداً لأن أسقط في المرض الذي كنت أترقبه بجزع، وأمس حدث ما كنت أتوقعه: فقد أمضيت معظم نهاري في الفراش. كنت في الليلة التي سبقت قد حولت صدري إلى زجاجة معبأة بالدخان المضغوط، دخنت ٦ علب وأمضيت النهار التالي أسعل وأدخن وأسعل وأدخن من جديد، وأمس ليلا كان جسدي قد تعب من هذه اللعبة واستسلم أمام عنادي وهكذا قمت فسهرت عند بهاء، ثم اقتادني الأصدقاء، بعد ذلك، إلى الليل ونمت في الصباح... وغداً الأحد سأعود، إذا لم يطرأ أي جديد.
    عبر ذلك كله جئتِ أنتِ، وكنت معي رغم أنفك ورغم جميع الذين كانوا معك والذين كانوا معي، وفكرت بك بهدوء، كما يجلس الإنسان العاقل ليلعب الشطرنج معتزما أن يربح الجولة بأي ثمن، وقلت لنفسي: يا ولد، أنت أصغر من أن تكون دونها وأعجز من أن تغلق الباب. كان «الملك»، على رقعة الشطرنج، معذباً وبعيداً عن جواده وقلعته ورغم ذلك فقد كان يقاتل بكل دمائه النبيلة، ناجحاً في أن يتجنب التلطيخ بوحل الميدان الشاسع وحما الهزائم. كان يعرف أن التراجع موت وأن الفرار قدر الكذابين. إنه فارس اسبارطي حياته ملتصقة على ذؤابة رمحه يعتقد أن الحياة أتفه من أن تعطيه وأنه أكبر من أن يستجدي ولكنه يريد أن يأخذ وأن يعطي بشرف مقاتل الصف الأول. ليس لديه ما يفقده ورغم ذلك فهو يعرف أنه إذا فقد هذا الشيء الوحيد الذي يعتز به فإنه سيفقد نفسه. إنه المقاتل والخصم والميدان والسلاح في وقت واحد معاً، فكيف يربح وكيف يخسر؟ كيف يكون التقدم وكيف يكون التراجع: هذه هي أيتها الشقية لعبة شطرنج لا تنتهي، يظل اللاعب حاضناً رأسه الثقيلة بين كوعيه يتبادل النظر مع الملك الصامت على الرقعة المزدحمة بخبب السنابك المهزومة، دون أن تستطيع الجياد مغادرة الرقعة المقطعة بأقدار الرجال والخيول والملوك الذين يذلهم أنهم لم يولدوا على صهوات خيلهم كما تولد التوائم السيامية.
    إنني أريدك بمقدار ما لا أستطيع أخذك، وأستطيع أن أخذك بمقدار ما ترفضين ذلك، وأنت ترفضين ذلك بمقدار ما تريدين الاحتفاظ بنا معاً، وأنت وأنا نريد أن نظل معا بمقدار ما يضعنا ذلك في اختصام دموي مع العالم.. إنها معادلة رهيبة، ورغم ذلك فأنا أعرف بأنني لست أنا الجبان، ولكنني أعرف بأن شجاعتي هي هزيمتي، فأنت تحبين، في، أنني استطعت إلى الآن أن لا أخسر عالمي، وحين أخسره سأخسرك، ومع ذلك فأنا أعرف أنني إذا خسرتك خسرته .
    أستطيع أن أكتشف ذلك كله كما يستطيع الجريح في الميدان المتروك أن ينقب في جروحه عن حطام الرصاص، ومع ذلك فهو يخاف أن ينتزع الشظايا كي لا ينبثق النزيف. إنه يعرف أن الشظية تستطيع أن تكون في فوهة العرق المقطوع مثلما تكون سدادة الزجاجة ويعرف أن تركها هناك، وحيداً في الميدان، يوازي انتزاعها. فالنهاية قادمة، لا حالة ... ولو كان شاعراً فارساً يمتطي صهوة الصحراء الجاهلية لاختار أن يموت رويداً رويداً : يده على كأسه الأخيرة وعينه على النزيف الشريف.
    ليقف الفارس في ذلك الخلاء الأجرد ويصيح في وجه الريح: إنني أحبك! فذلك هو قدره الذي تتوازى فيه الخسارة بالربح. إنك الخصب، أيتها الجميلة الشقية..
    وليس ثمة إلا أن أنتظرك في غيابك وفي حضورك.
    في الشمس وفي المطر، تحت تطاير الكلمات من شفاهنا وبين التصاقهما.
    وثمة حقول من طحلب غير مرئي اسمه الانتظار تنمو على راحتي يدينا حين تمطر فوقهما المصافحة، هناك جسر من الانتظار تشده أهدابنا إلى بعضها حين تتبادل النظر. إن الإنتظار، فيما بيننا، حفرة تكبر كلما عمقت أظافرنا اكتشافها، اننا لا نستطيع أن نردمها بأي شيء فليس في علاقتنا ما نستطيع أن نستغني عنه لنخطو إلى بعضنا فوقه.
    اكتبي أيتها الحلوة الذكية. تمسكي بهذا الشيء الذي يستطيع أن يكون إلى الأبد درعك أكثر مما يستطيع أي رداء مبتكر (وقصير) أن يفعل. بوسعك أن تقتحمي العالم على منقار صقر فما الذي يعجبك في حصان طروادة؟ إنني واثق من شيء واحد: بالنسبة لك الحياة ملحمة انتصار تبدأ من العنق فما فوق، فلتجعلي همك هناك. لغيرك أن يعتقد أن حياته لها قمة هي الكتفان. بوسعك أن تدخلي إلى التاريخ ورأسك إلى الأمام، كالرمح. أنت جديرة بذلك وليس من هو أكثر منك جدارة. اطرحي مرة وإلى الأبد حيرتك الأنثوية المغيظة بين رأسك وركبتيك فتكسبي مرة وإلى الأبد رأسك ورؤوس الآخرين وعظمة أنوثتك وجمالها الاخاذ الصاعق المفعم بالكبرياء. إنني أحبك كما لم أفعل في حياتي، أجرؤ على القول كما لم يفعل أي إنسان وسأظل. أشعر أن تسعة شهور معك ستظل تمطر فوق حياتي إلى الأبد. أريدك. أنتظرك وسأظل أريدك وأنتظرك، وإذا بدّلك شيء ما في لندن، ونسيت ذات يوم اسمي ولون عينيّ فسيكون ذلك مواز لفقدان وطن. وكما صار في المرة الأولى سيصير في المرة الثانية:
    سأظل أناضل لاسترجاعه لأنه حقي وماضيّ ومستقبلي الوحيد. لأن لي فيه شجرة وغيمة وظل وشمس تتوقد وغيوم تمطر الخصب وجذور تستعصي على القلع.
    أكتبي لي. هذه اللحظة وقولي: سأظل معك وسنظل معاً.
    غسان

  5. #45
    من أهل الدار
    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة Secluded مشاهدة المشاركة
    إنني أريدك بمقدار ما لا أستطيع أخذك، وأستطيع أن أخذك بمقدار ما ترفضين ذلك، وأنت ترفضين ذلك بمقدار ما تريدين الاحتفاظ بنا معاً، وأنت وأنا نريد أن نظل معا بمقدار ما يضعنا ذلك في اختصام دموي مع العالم.. إنها معادلة رهيبة، ورغم ذلك فأنا أعرف بأنني لست أنا الجبان، ولكنني أعرف بأن شجاعتي هي هزيمتي، فأنت تحبين، في، أنني استطعت إلى الآن أن لا أخسر عالمي، وحين أخسره سأخسرك، ومع ذلك فأنا أعرف أنني إذا خسرتك خسرته .
    ...

  6. #46
    من أهل الدار
    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة Secluded مشاهدة المشاركة
    أيتها الجميلة الشقية..
    وليس ثمة إلا أن أنتظرك في غيابك وفي حضورك.
    في الشمس وفي المطر، تحت تطاير الكلمات من شفاهنا وبين التصاقهما. وثمة حقول من طحلب غير مرئي اسمه الانتظار تنمو على راحتي يدينا حين تمطر فوقهما المصافحة، هناك جسر من الانتظار تشده أهدابنا إلى بعضها حين تتبادل النظر.
    ...

  7. #47
    من أهل الدار
    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة Secluded مشاهدة المشاركة
    إن الإنتظار، فيما بيننا، حفرة تكبر كلما عمقت أظافرنا اكتشافها، اننا لا نستطيع أن نردمها بأي شيء فليس في علاقتنا ما نستطيع أن نستغني عنه لنخطو إلى بعضنا فوقه.
    ...

  8. #48
    من أهل الدار
    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة Secluded مشاهدة المشاركة
    إنني أحبك كما لم أفعل في حياتي، أجرؤ على القول كما لم يفعل أي إنسان وسأظل. أشعر أن تسعة شهور معك ستظل تمطر فوق حياتي إلى الأبد. أريدك. أنتظرك وسأظل أريدك وأنتظرك، وإذا بدّلك شيء ما في لندن، ونسيت ذات يوم اسمي ولون عينيّ فسيكون ذلك مواز لفقدان وطن. وكما صار في المرة الأولى سيصير في المرة الثانية:
    سأظل أناضل لاسترجاعه لأنه حقي وماضيّ ومستقبلي الوحيد. لأن لي فيه شجرة وغيمة وظل وشمس تتوقد وغيوم تمطر الخصب وجذور تستعصي على القلع.
    ...

  9. #49
    من أهل الدار
    بيروت ٣ نيسان ١٩٦٧
    يا غادة!
    تلقيت رسائلك جميعاً، ولم يؤخرني عن الجواب إلا ذلك الغرق المخيف في أشغال لا نهاية لها توجها مؤتمر الكتاب الأفرواسيوي الذي عقد هنا خلال الأسبوع الماضي وشغلني من الفجر إلى النجر.. كان اسمك في قائمة الكتّاب الذين يمثلون سوريا وكنت أقرؤه كل يوم، وأقول مثلما قلت في إحدى رسائلك: إن ما يدور مفجع حقاً!
    وعبر هذا الازدحام الذي لا مثيل له أنهمك كالمصاب بالصرع في كتابة المسرحية التي تحدثنا عنها في السيارة ذات يوم، ذات ليلة.. إنني أستشعر وأنا أكتبها طعم صوتك وبريق عينيك الإلهيتين في تلك الليلة النادرة التي كناها معاً (أواه كم كان ذلك نادراً ومفاجئاً وقصيراً !) وأحس كفيك على جبيني المحروق تستحثني مثلما يستحث المهماز خاصرة الأصيلة. أسميتها «حكاية الشيء الذي جاء من الفضاء وقابل رجلًا مفلساً» وأمس اقترحت لنفسي عنواناً آخر: «النبيّ والقبعة» على أساس أن القبعة تستر رأس الرجل من الخارج والنبيّ يستره من الداخل.. وما زلت في حيرة، ولكن المسرحية تمشي على ما يرام. إنني أكتبها لك!
    لنعد إلى رسائلك الرائعة ورسائلي «المفجعة).. أجل، أيتها الشقيّة، أنا غاضب ومهرق ومطعون.. كنتِ تلك الليلة مريعة. آخر ليلة. كنتٍ مثلما أردتك دائماً معي وحدي ولكنك لم تكوني معي، وكان هو وكنتِ سعيدة
    إلى حد زلزلني صوتك الضاحك وفتح في رئتيّ جرحاً ما زلت أحس نزيفه يبلل قميصي: لقد عملت في المكتب مثل كلب لاهث، الغيت، لأول مرة في حياتي، دعوة كنت وجهتها لصديق مسافر في اليوم التالي وركضت إليك:
    لا! إن ذلك لا يحتمل.
    وأمس فقط وصلتني رسالتك التي يقول أولها غسان ويأتي توقيعك في آخرها وبين هذين القلبين السياميين فراغ ثقيل يملؤه البياض: أبغض الألوان إليّ. وفكرت أن أملأ ذلك الفراغ. أن أكتب عنك لنفسي شيئاً . أن أجيب على هذا السؤال الذي طرحته ورقتك البيضاء في وجهي: ما الذي أريد أن تقوله لي؟ قلت: سأكتب: «أنا لك» ولكن ذلك - حتى ذلك - لم يكن يكفي. قلت سأكتب: «أحبك وأريد أن ..)) أريد ماذا؟ وعدتُ فقرات رسائلك جميعاً وأنا أرتجف.. آه يا غادة.. أيتها الشقية التي لم ترتطم إلا بالشقيّ!.
    دونك أنا في عبث. أعترف لك مثلما يعترف المحكوم أخيراً بجريمة لم يرتكبها وهو في طوق المشنقة، كي يبرر لنفسه نهاية لا يريدها.
    أنا أعرف أنك لن تعودي إلى هنا. كنت أعرف ذلك منذ البدء، تماماً حين كنتِ، بذكائك الذي يخونك حين تكذبين، تقولين لي كم سيكون مستقبل علاقتنا مستقرا... وكنتُ أبكي بتلك الدموع المروَعة (التي لا تُرى) مرتين: مرة لأنك ستمضين ومرة لأنك تشكّين براسي!
    وكيف حالك الآن؟ كم صار سُمْك الغبار الذي راكمته لندن فوق وجهي؟ أما أنتِ فقد دخلت إلى عروقي وانتهى الأمر، إنه لمن الصعب أن أشفى منك.
    لقد كانت رسائلك رائعة وحادة. حمّلني عذابُك ولؤمك ثقل المسؤولية والشعور بالذنب ولكن ذلك لم يكن له علاقة بالاقتناع: إنني أريدك وأحبك وأشتهيك وأحترمك وأقدس حرفك.. ولست أقبل تلوين ذلك بأي طلاء أو وضعه في صيغ التحفظ. لا. لست عاجزاً عن إعطاء أكثر مما اعطيت ولكنك دائماً - أنتِ - التي كنت عاجزة عن الأخذ. كنت تحسبين نبضي ونبضك على جدول اللغرايتمات، كنت تختارين مني أسوأ ما في وتمزجينه مع ما اخترتٍ من أسوأ تجاربك، وكانت الحصيلة قزماً توقعتِ منه أن يدخل فرحاً إلى غرفة أنت فيها بملابس النوم مع رجل آخر، عشية غيابك،! لقد قتلت في الرجل لتعبدي وهماً ليس أنا.. ووجدتِ في اندفاعي فرصتك لتريْ كيف تستطيعين تعذيبي!
    وكان عليك أن تتوقعي ما حدث: لم أصدق قط أنك ضد أخذ العلاقة إلى مداها. أنت امرأة حقيقية حتى كعب حذائك وقد عرفتُ ذلك.
    إذن ما الذي كان يرغمك على بناء جدار الجليد؟ رجل آخر؟ مزيداً من الذل؟ أمور أكثر تعقيداً؟ لماذا لم تعتقدي لحظة أنني قد أخذ من هذه الاتهامات متراساً أصد به الرماح التي كانت تنال من رجولتي ورغم ذلك:
    أنظري ما الذي ضيعناه! انظري! عام كامل من المشي على الزجاج المطحون لماذا؟ من المسؤول؟ كيف تريدين أن أتصرف؟ هاك دواء يصلح للتحنيط، ضعيه في عروقي واجعلي مني شطرين أسند رف كتب تافه في غرفة لك، لا أعرف من فيها!
    تريدين أن تقولي أن روعة علاقتنا كانت في أنها لم تكن؟ إنني لا أصدق. ولست أريد أن أصدق. إنني لا أقيس جسدي بصيغ التهرب والخذلان، وأقول لك: اليوم وغدا وإلى الأبد أنك أهنتِ فيّ ما أعتز به أكثر مما كتبت وأكتبٌ وسأكتب.
    يبدو أننا سنتشاجر مرة أخرى.. ولكن أرجوك يا غادة. اجلسي لنفسك قليلا واستعيدي ما فعلته بي عاماً كاملًا، كان الصمت أكثر من الكلام. كان البعد أكثر من القرب. كان الوهم أكثر من الحقيقة. كان الرفض أكثر من القبول. كان التحايل أفظع من المواجهة ... لقد حرصتِ مثلاً في الأيام الأخيرة على المطالبة بأسطواناتك بانتظام وبإصرار، ولكنك أبداً لم تفكري بكم أحتاج لآلة التصوير ولأسطواناتي.. وسافرتِ دون أن تكترثي!
    إنها تلخص شيئاً أكبر من مجرد هذه الأشياء: لو فكرتٍ قليلاً. لو عدلت. لو أعدت بينك وبين نفسك تقييم ما كنتِه لي وما كنته لك ... لو عرفت أنني في عام كامل كنتُ دائماً عندك ولك!"
    يا حبيبتي الشقيّة.. ما الذي يبقى؟ ما قيمتي الآن دونك وما نفع هذا الضياع ونفع هذه الغربة؟ لم يكن أمامنا منذ البدء إلا أن نستسلم:
    للعلاقة أو للبتر، ولكننا اخترنا العلاقة بإصرار إنسانين يعرفان ما يريد انه.. لقد استسلمنا للعلاقة بصورتها الفاجعة والحلوة ومصيرها المعتم والمضيء وتبادلنا خطأ الجبن: أما أنا فقد كنت جباناً في سبيل غيري، لم أكن أريد أن أطوّح بالفضاء بطفلين وامرأة لم يسيئوا إليّ قط مثلما طوّح بي العالم القاسي قبل عشرين عاماً، أما أنت فقد كان ما يهمك هو نفسك فقط.. كنت خائفة على مصيرك وكنتُ خائفاً على مصير غيري، وقد أدى الارتطام إلى فجيعة لا هي علاقة ولا هي بتر.. أتعتقدين أننا كنا أكثر عذاباً لو استسلمنا للقطيعة أو لو استسلمنا للعلاقة؟ لا!
    أم أنا فأريد العلاقة. ذلك (الاستسلام الشجاع» لحقيقة الأشياء... تحدثتِ أنت عن «أكثر الميتات كرامة».. هل تقولين أينها؟ في العلاقة أم البتر؟ قولي شيئاً بحق الشياطين!
    سأظل أكتب لك. سأظل. وسأظل أحبك. وستظلين بعيدة.. وستظل قدمي تنتفض باتجاه مكبح السيارة كلما مررت في رأس النبع وشهدت سيارتك واقفة هناك على الرصيف.. أنت تسكنين في. أنتِ. وليس «كلماتك» كما كتبتِ لي. أنتِ!
    .. لكِ
    غسان كنفاني

  10. #50
    من أهل الدار
    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة Secluded مشاهدة المشاركة
    آه يا غادة.. أيتها الشقية التي لم ترتطم إلا بالشقيّ!.
    دونك أنا في عبث. أعترف لك مثلما يعترف المحكوم أخيراً بجريمة لم يرتكبها وهو في طوق المشنقة، كي يبرر لنفسه نهاية لا يريدها.
    أنا أعرف أنك لن تعودي إلى هنا. كنت أعرف ذلك منذ البدء، تماماً حين كنتِ، بذكائك الذي يخونك حين تكذبين، تقولين لي كم سيكون مستقبل علاقتنا مستقرا... وكنتُ أبكي بتلك الدموع المروَعة (التي لا تُرى) مرتين: مرة لأنك ستمضين ومرة لأنك تشكّين براسي!
    ...

صفحة 5 من 10 الأولىالأولى ... 34 567 ... الأخيرةالأخيرة
تم تطوير موقع درر العراق بواسطة Samer

قوانين المنتديات العامة

Google+

متصفح Chrome هو الأفضل لتصفح الانترنت في الجوال