مازلت مِثل ندبةٍ في صدري. في كُل مرةٍ أوشك أن أطمئن إلى أحدِهم أتذكرك ويأكلني الفزع
مازلت مِثل ندبةٍ في صدري. في كُل مرةٍ أوشك أن أطمئن إلى أحدِهم أتذكرك ويأكلني الفزع
..
من أشكال المواساة المُتداولة في السياق الغربي، أن يقول أحدهم لآخر يمرّ بمحنة أو تجربة صعبة:
أتمنّى أن تخرج من هذه المحنة وأنتَ متماسك (كقطعة واحدة)
I hope you get out of this (in one piece)
أليست استعارة بديعة أن نُعبّر كبشر عن (العافية والسلامة) عبر قولنا ودعائنا أن يخرج مَن نُحبّ من ضربات هذه الحياة كـ (قطعة واحدة)؟
لأنّه من السهل أن نتشظّى وأن تنقسم تصوّراتنا عن أنفسنا وعن العالَم عقب التجارب المؤلمة والصادمة
من السهل أن نتصدّع، أن تكون أرواحنا ممزّقة، وأن تصبح نفوسنا متناثرة، من شدّة الضربات وتتاليها!
لأنّه ثمّة مِحَن ومصائب لا نخرج منها إلّا رُكامًا وفُتاتًا، قِطَعًا وأجزاءً!
وقد عبّر امرؤ القيس بأبياتٍ بديعة عن هذه الحالة، حين قال:
فَلَو أَنَّها نَفسٌ تَموتُ جَميعَةً
وَلَكِنَّها نَفسٌ تُساقِطُ أَنفُسا
هذه تغريدة كنت كتبتها قبل أعوام وجرى تداولها على نطاق عريض، وكنت أراجع في حينها دراسات الصدمة النفسية والصدمة المُركّبة.. وقد كنت أراجع مفهوم الذات المُجزّأة fragmented self أو الذات المُتشظّية.
ولكن ما يلفت انتباهي بالآونة الأخيرة، هو أنّ حالة العالَم اليوم كفيلة بتشظية الإنسان
بطريقة أو بأخرى، لم نعد بحاجة لتجارب صادمة أو مصائب كُبرى كي نتشظى
بل إنّ طبيعة العالَم اليوم بصيغته ما بعد الحداثية، بمدخلاته ومقولاته وطرائق تفاعل البشر مع بعضهم البعض تفرض على الإنسان نوعًا من التشظية ونوعًا من التفتيت التدريجي للرّوح.
وقد كتب المفكّر الصيني البارع "يي-فو توان" في مطلع الثمانينات وهو أحد روّاد تيّار الجغرافيا الإنسانية كتابه الهامّ Segmented Worlds and Self كيف أنّ العالَم اليوم بفعل الهيمنة الغربية، يفرض مِزاجًا فكريًا يكرّس نشوء الإنسان المعزول، إنسان حسّاس وناقد، وذو وعي عالي بذاته، وهي ظاهرة نتجت عقب تحوّل العالَم الاجتماعي الغربي إلى عالمٍ أكثر تعقيدًا وتخصصًا وتجزؤًا، وقد انعكس ذلك على أنماط العيش الجماعي التي أصبحت تتفكك لصالح خبرةٍ أكثر فردانية.
وقد تتبّع توان في كتابه تجليّات هذا “التجزؤ” في تفاصيل الحياة اليومية مثل الطعام وآدابه، البيت والأسرة، وفردنة روتين الحياة اليومية، وتعظيم الخبرة الحسّية للفرد.
فالإنسان اليوم تائه، ومُشتّت، لا يعرف ما الذي يجب أن يصير إليه!
إنّه يشعر بالتأخّر، حين يرى النّاس في مساراتها المتعدّدة، ويشعر بإلحاحٍ مَرَضيّ، كما لو أنّه يبنغي عليه أن يركض في جميع الاتّجاهات بالوقت نفسه
هل هناك إنسان واحد على وجه الأرض يُعجبه ما يقوم به؟ أقصد.. دون شعورٍ جنونيّ بأنّه (كان ينبغي عليه أن يختار تخصّصًا آخرًا أو مهنة أخرى)
هل هناك إنسان واحد يُرضيه ما هو عليه؟ ويعتقد أنّه وصل سقف الكفاية، دون أن تنهشه شياطين المقارنة بنجاحات الآخرين وإنجازاتهم ومنشوراتهم!
إنّ الطريقة التي يتعرّف بها النّاس إلى العالَم اليوم عبر شاشات هواتفهم بحدّ ذاتها مشتّتة، والتشتّت في الذهن، يؤول بالضرورة إلى تبعثر الهُويّة وتشوّش الذات!
وقد استعاذ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من (شتات الأمر) وهو دعاء بديع، وانتقاءٌ بليغ لما ينبغي الحذر منه!
وشتات الأمر، تفرّقه وعدم انضباطه، وهو حالٌ يؤدّي إلى التخبّط في القرارات، وإهدار الوقت، وتضارب الأولويات، ومراكمة كثير من الأعمال غير المنجزة..
ولو تعلمون أنّ شقًّا غيرَ يسير من اضطرابات النفس مردّها (الأعمال غير المنجزة) والأبواب المفتوحة وغير المغلقة وتراكمها في سراديب الّلاوعي وتزاحمها عند بوابة الوعي، فتبقى الذات مشتّتة، تتنازعها مساراتٍ متعدّدة، دون قرارٍ ولا استقرار.
والمخرج الوحيد للإنسان من هذا العالَم المأزوم، أن يسعى الإنسان لتزكية نفسه ومداواة قلبه من مستنقعات الجشع، ووَحل الحسد، وسجون الشهوة ودوائر الطمع، وأن يُذكّر نفسه بحقيقة الدنيا، وبحدود بشريته وفنائه الحتميّ، وأنّ أهمّ ما يستثمر به الإنسان وقته، هو ما يبقى وما يدوم، من الباقيات الصالحات.
فأعيذوا أنفسكم وأهليكم وأحبابكم من شتات الأمر ووسواس الصدر، وسَلوه الرضا والقناعة والثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد..
فذلك أنجى لكم ولهم!
..
" ثمة يدٌ باردة تضغط على حنجرتي وتمنعني من ان أتنفس الحياة "
اخبار و باللغتي
...........
سورة الحشر ..
هو الله الذي لا اله الا هو الملك