سجِّلها في الدفتر
كنتُ أشتري بعض الخضار والفواكه من محلٍ صغير في زقاقٍ أعرفه جيدًا، كما أعرف صاحبه منذ سنوات طويلة؛ رجلٌ في الأربعين من عمره، لكن التعب أخذ من ملامحه أكثر مما أخذ منه الزمن.
مكافحٌ لا يعرف الكلل، يستيقظ قبل أن يستيقظ الضوء، يذهب إلى السوق ليختار الخضار بيده، يتفقدها بعينيه، ويعيد ترتيبها في متجره كما لو كان يصفّ وردةً في حديقة قلبه.
كان صادقًا… أمينًا… يشبه الناس الطيبين الذين لا يرفعون أصواتهم لكنهم يرفعون أخلاقهم.
دخل رجلٌ فجأة…
قرأتُ العبوس على وجهه قبل أن يتكلم، وكانت كلماته باردة، مثل تحية خرجت من فمٍ بلا روح.
طلب:
طماطم… برتقال… خيار… ليمون
ثم قال بصوتٍ خافت:
— سجّلها في الدفتر.
خرج… وبقي صدى خطواته يُحدّق في الجدران.
سألت صاحب المحل:
— هل يملك مطعمًا؟
أجاب وهو يُنزل القلم على الورق:
— نعم… عنده مطعم… وكل طلباته هنا.
وكان وهو يتحدث… يتنهّد.
فهمتُ أن التنهد لم يكن هواءً خرج من صدره، بل وجعًا خرج من قلبه.
نظرتُ إلى الدفتر…
صفحاتٌ مزدحمة بالأرقام… كأنها قبورٌ صغيرة لأحلامٍ مؤجلة.
قلت:
— هذا حسابه؟
قلّب الصفحات ببطء، ثم قال:
— هذا حسابه… وحساب غيره…
بعضهم يدفع أحيانًا… وأكثرهم لا يدفع.
وهناك أسماء… اختفت… لم يعودوا يمرّون… ولا يسلّمون… ولا يُعرف لهم طريق.
ثم قال بصوتٍ مكسور:
— هل تعلم؟
لو حسبتُ ديون الناس في هذا الدفتر… لتجاوزت عشرين ألفًا.
شهقتُ دون أن أشعر:
— عشرون ألفًا؟!
ضحك… لكن ضحكته كانت تشبه البكاء:
— لا تتفاجأ… هذه حالة موجودة في البلد بكثرة.
اذهب للسوق… واسأل أي محل عن ”الدفتر“ … سترى العجب.
بعضهم له حقوق بمئات الآلاف… وربما… لا أريد أن أقول… مليون ريال.
قلت:
— وكيف يطالب بهم؟
هز كتفيه، وقال بصدقٍ موجع:
— لا أعلم…
ثم سكت قليلًا، كأنه يستجمع قهرًا قديمًا، وقال:
— في جائحة كورونا…
جاءني رجل فقد وظيفته… قلت له: لا تقلق… سأساعدك… ادفع نصف المبلغ فقط.
مرّت الأيام… اختفى… لا جاء… ولا اعتذر… وهذا حسابه… ما زال هنا.
ثم أغلق الدفتر ببطء…
كأنما أغلق على قلبه.
وقال لي بصوتٍ حزين:
— هذا الدفتر يا صديقي… لم يعد دفتر ديون فقط…
أصبح دفتر ضمائر معلّقة… وانتظار طويل.
وغادرتُ المحل وأنا أحمل هذه الخاتمة في صدري:
الديْن ليس رقمًا في دفتر…
بل امتحانٌ في الضمير،
ومن خان الأمانة… أفلس وإن امتلأت يداه.





رد مع اقتباس