ارتفع صوته متشنجا بالبكاء وهو يمشي في ردهة المستشفى ، لا أحد يستطيع أن يلومه على بكائه فقد رأى زوجته وقد فارقتها جميع ملامح الحياة، اتجه من فوره للطبيب المناوب في الإسعاف ، يريد أن يستمطر بعض الكلمات التي تُعيد له خُضرة قلبه قال له :
هل زوجتي بخير؟
نظر الطبيب إلى ذلك الرجل الستينيّ بشفقة ،وقال مخاطبا الممرضة :
أحضري جهاز الإنعاش الكهربائي، واتصلي بالطبيب المناوب معنا اليوم .
طلب طبيب الإسعاف من الرجل مغادرة المكان والانتظار في الخارج .
امتثل الرجل لكلام الطبيب وغادر وفي عينيه رجاء خاصا بأن يُقدّم علاجا ابتكاريا يساعد زوجته على العودة للحياة مجدّدا، لم يتمالك الرجل نفسه من البكاء فدفن رأسه بين يديه وهو يصارع انحدار دموعه التي ما لبثت أن انحدرتْ وبللت لحيته البيضاء.
اندفع الباب الزجاجي فانتبهت الممرضة المناوبة ، شاهدت الطبيب وهو يرتّب سماعته حول عنقه، تحرّك بخفةٍ وهو يعرف أين يتجه من فوره، لمح الممرضة تشير إليه في آخر الممر .
عندما اقترب الطبيب المناوب ليفحص المريضة قالت له الممرضة:
دكتور ، المريضة وصلت المستشفى وقد فارقت الحياة إلّا أنّ الطبيب المُسعف أراد أن يُهدّئ من روع زوجها فتظاهر أمامه بأنه يفحصها .
أصابتها نوبة هبوط حاد بالسكّر أدّت للوفاة قبل وصولها للمستشفى.
وقف الطبيب المناوب بجانب السرير، أخذ يفحص المريضة قبل أن يقرأ ملفّها، ثم بدأ بإعطاء تعليماته المعتادة في حالة الوفاة كأوامر عسكريّة يتلقاها فريقه الطّبيّ من حوله.
في الوقت الذي كان الطبيب يقوم بشرح أسباب الوفاة ويتفق مع الطبيب المُسعف لإتمام إجراءات شهادة الوفاة ذهبت الممرضة لإخبار زوج المريضة المتوفاة بآخر مجريات الأمور وما أن همّت بإخباره حتّى بادر الطبيب المعالج بسؤاله :
سيدي ماذا حدث لزوجتك قبل أن تأتي بها للمستشفى؟
أجاب الرجل بكل حزن :
لقد رأيتُ زوجتي ترتعش وتتصبب عرقا ، حتى بدا نطقها ثقيلا، لقد خفتُ كثيرا من أن تُصاب بجلطة ولأنها مصابة بالسّكر سارعت بإعطائها جرعة الإنسولين.
عندما سمع الطبيب والممرضة حديثه أصابتهما الدهشة وأخذا يتبادلان النظرات بحزن وألم شديدين مما جعل الممرضة تقول : يجب إتخاذ إجراء قانونيّ أزاء هذا الموضوع.
وأصرّت على تبليغ السلطات الأمنية وإتخاذ الإجراءات اللازمة حيال هذا الأمر.
لم يكن الأمر يستدعي الدفاع عن الرجل من قبل الطبيب لأنه رأى ذنب الرجل واضحًا سواء صدر فعله عن تعمّد أو جهل و عدم دراية بخطورة ما قام به لكنه طلب من الممرضة التريث قبل اتخاذ أي إجراء قانوني.
نظرت الممرضة للطبيب وكانت جميع الأفكار السيئة تشقّ طريقها إلى داخل عقلها وهي تقول:
لابد أنّك فهمت جيدا خطورة ماقام به زوج هذه السيدة لقد قام بقتلها ..
قاطعها الطبيب قائلا:
لقد تسبب في موتها، ونحن لانعلم هل ما قام به يورطه في الاتهام بقتل زوجته أو يُعدّ من باب القتل الخطأ.
نظر الرجل للممرضة والطبيب وهو لايعلم عمّا يتحدّثان فقال لهما :
ماذا تقصدان بكلامكما ؟؟!!
هل من الممكن أن أقتل زوجتي وأم أولادي؟
أجابت الممرضة؟
سيدي نحن لم نكن معكما ولا نعلم مدى صدق ما تقول.
دهش الرجل من كلام الممرضة وقال :
وهل ماتت زوجتي حقّا؟
أجابه الطبيب: نعم يا سيدي كان الأولى بك أن تطعمها شيئا من السكر لا أن تحقنها بجرعة الإنسولين التي تسببت في موتها، زوجتك كانت تعاني من هبوط مفاجئ في السكر وللأسف الشديد قمت بحقنها بالإنسولين، تفاقمتْ المشكلة عندها فأدّى ذلك إلى موتها.
جلس الرجل متأثرا بما سمع من الطبيب قائلا:
بالأمس كنت خائفا على أولادي من غياب أمهم ، والآن تضاعف خوفي أن أكون أيضا في طي الغياب .
بالأمس كنت لا أبصر أبعد من مجال بصري واليوم امتدّ بصري لعوالم مختلفة.
نظر إليه الطبيب وهو يقول في قرارة نفسه:
قد يهذبك الضيق حتى لاتمر على لحظة الرضا مرورًا عابرًا.
كان الطبيب يعلم جيدا أنّ الممرضة المناوبة سوف تحاصر هذا الرجل المسكين من كل اتجاه بل سوف تبالغ في اتهاماته.
قالت له غير مرةٍ : لا وجود للرجل القيسيّ في عالمنا النّرجسي هذا.
جميع الرجال يجـرُون خلف مصالحهم الشخصية، وملذاتهم التي لاتنتهي، لم يتجن َ الكاتب السوري أدونيس في نقده المجتمعات العربية عندما قال :
(أنا أشكُّ في أنّ هناك حبّ في العالم العربي، هناك فقط غرائز وحب تملك وإنجاب، العالم العربي بعيد عن كل ما يمتّ بصلةٍ إلى الحبّ)
شاءت الأقدار أن تمرّ أيها المسكين بهذا الفصل المؤلم في حياتك ، وأن تكون هذه الممرضة جزءا مُحرّكًا للأحداث!
قد لا يتعدّى نطاق قدرتك هذا المُصاب الجلل !
نزع سماعته الطبيّة وهو يقول :
عزائي لقلبك أيُّها الرجل ( لاحول ولاقوة إلا بالله العلي العظيم) غادر ردهة الإسعاف متجها لعيادته وهو يدعو الله تعالى باللطف بعباده .
لقد التفت للممرضة فسمعها تقول :
تبّا لهذا الزمن،
فلا قيسًا ولا ليلاه قد خُلقا
ولم يكن هدير حبهما قد سُمعا.
ابتسم وهو يقول : لابد أن يكون للقضاء العادل كلمته، سيُظهر الله تعالى ما في القلوب من أحاديث لاسيما تلك التي يستثقل اللسان مضغ حروفها وكلماتها.





رد مع اقتباس