في كل يوم نعبر مواقف صغيرة لا تستحق الوقوف، لكنّنا نقف عندها طويلًا. نفسّر، ونحلّل، ونردّ، وننسج حولها هواجس وتوقعات، حتى تتحول تفاصيل لا تكاد تُرى إلى أثقال تملأ صدورنا. ومع مرور الوقت، ندرك أنّ المشكلة لم تكن في الحدث نفسه، بل في طريقة استقبالنا له.
فلماذا نُتعب أنفسنا؟
ولماذا نسمح للمبالغة أن تسرق منا بساطة الحياة، وهدوء العلاقات، وسكينة الروح؟
دعونا نتوقف لحظة أمام سؤال جوهري، محاولة لتهدئة الضجيج الداخلي:
ماذا لو تركنا بعض الأشياء تمر… كما جاءت؟
سؤال لا يحتاج إلى تفكير عميق.
لقد أصبحت المبالغة في الأمور الاجتماعية ظاهرة نعيشها جميعًا. لا تُرى بالعين في كثير من الأحيان، لكنّها تُرهق القلب، وتستنزف الوقت، وتستبيح طاقة الإنسان الروحية. والمُتعب أننا كثيرًا ما نمارسها دون أن نشعر.
المبالغة لا تبدأ عند الموقف الاجتماعي، بل قبله، في مساحة داخلية تملؤها المخاوف والتوقعات. حين نخشى ألّا نُفهم جيدًا، أو ألّا نظهر بصورة مثالية، أو ألّا نعطي للآخرين القدر الذي يستحقونه. فتصبح علاقتنا بالناس مسرحًا، ونحن الممثلون، نقوم بتضخيم المشاهد وتلوين التفاصيل حتى تبدو أوسع مما هي عليه.
فمن مظاهر المبالغة: المجاملات التي تفوق الحاجة، الحفلات التي تُرهق القائمين عليها، الخلافات الصغيرة التي نُضخمها حتى تتحول إلى قطيعة، وتفسير الكلام بنوايا ليست فيه. وكل ذلك يضع على القلب حملًا لا ضرورة له.
حين نُراجع أثر المبالغة على حياتنا، نكتشف أنّها تسلبنا هدوءنا، وتربك علاقاتنا، وتسرق وقتنا، وتُفقد اللحظات جمالها الحقيقي. فالعلاقة التي تُبنى على التكلّف تُصبح ثقيلة، والقلب الذي يعمل فوق طاقته يفقد صفاءه.
وللتخفيف من هذا العبء يمكن البدء بالعودة إلى البساطة، وتقليل التوقعات، والتفريق بين الواجب والمبالغة، واحترام الطاقة الشخصية، واختيار المعاني قبل المظاهر. فالبساطة ليست تقصيرًا… بل وعي ونضج وصدق.
في نهاية المطاف، ليست الحياة بحاجة إلى كل هذا الشدّ، ولا العلاقات خُلقت لتتحمل أثقالًا لا تخصّها. فالأشياء التي نبالغ فيها اليوم، سننظر إليها بعد سنوات بشيء من الدهشة.
كيف سمحنا لها أن تُربك قلوبنا؟
وكيف أعطيناها أكثر مما تستحق؟
إنّ فنّ العيش ليس في السيطرة على التفاصيل، بل في ترك بعضها يمرّ بسلام، في أن ندرك أنّ الإنسان أقوى حين يكون أخفّ، وأجمل حين يكون أبسط، وأقرب إلى نفسه حين يتحرر من إرادة الظهور.
فلنجرّب أن نخفّف وقع الخطوة، وأن نقلل من حجم الردّ، وأن نترك مساحة للغفران والمرور والتجاوز.
فعندما نتوقف عن المبالغة، نربح شيئًا لا يُقاس: راحة قلب، وسعة صدر، وحياة تُعاش بلا ضجيج، واحترام لا يُقدّر بثمن.





رد مع اقتباس