تعكس التصريحات الأخيرة لأحد أعضاء البرلمان الإيراني قلقاً عميقاً لدى صانعي السياسات من اتساع رقعة الفقر في إيران، وهو قلق لا يمكن اختزاله في إطار خطاب انتخابي أو سجال سياسي، فالتضخم المتواصل، وتآكل القيمة الحقيقية للدخول، وتزايد الضغوط على الأسر متوسطة ومنخفضة الدخل، كلها عوامل حولت الفقر إلى مشكلة بنيوية وشاملة حسب موقع "مرصد إيران".
وقال عضو البرلمان الإيراني، عزيزي فارساني، محذراً من تبعات التضخم الجامح وارتفاع الأسعار، إنه في حال استمرار الأوضاع الحالية واستمرار الخلل في نظام تصنيف الدخل، فإن الشريحة الثامنة في المجتمع قد تنضم إلى دائرة الفقر مع نهاية العام الإيراني الذي ينتهي في العشرين من مارس/آذار المقبل، ليتجاوز عدد الفقراء 55 مليون نسمة من أصل 95.
يُقصد النائب بـ"الشريحة الثامنة دخلياً" الفئة التي تقع ضمن النطاق بين 70% و80% من توزيع الدخل؛ أي أنها أعلى من متوسط المجتمع دخلًا، لكنها ليست ضمن أعلى 20% أي الفئتين التاسعة والعاشرة، ما يجعلها أكثر عرضة للانزلاق السريع إلى الفقر عند أي صدمة اقتصادية.
حسب الموقع الإيراني، فإن طرق قياس الفقر تختلف من تقرير إلى آخر، فعلى المستوى الدولي، يُعرَّف خط الفقر العالمي—بحسب البنك الدولي—بدخل يقل عن 6.85 دولارات يومياً في الدول ذات الدخل المتوسط، أما خط الفقر في إيران فيُحتسب استناداً إلى كلفة سلة الحد الأدنى للمعيشة داخل البلاد، وهو معيار يختلف عن العالمي، هذا التباين في التعريفات يفسر التفاوت الكبير بين الأرقام الرسمية والإعلامية والدولية بشأن عدد الفقراء في إيران.
مؤشرات رسمية ودولية
تشير تقارير البنك الدولي إلى تراجع معدل الفقر وفق خط الفقر العالمي المتوسط في السنوات الأخيرة؛ إذ انخفض من نحو 29.3% في عام 2020 إلى قرابة 21.9% في عام 2022، غير أن هذا التحسن هش، ولا يزال أكثر من خُمس السكان دون هذا الخط في إيران. كما تُظهر بيانات عالمية أن نسبة الفقراء تتراوح بين 20% و21%، ما يدل على أن شريحة واسعة تعيش دون مستوى رفاه ملائم.
ورغم أن هذه الأرقام قد تبدو مطمئنة ظاهرياً، فإنها لا تعكس مؤشرات أخرى حاسمة مثل الهشاشة الاقتصادية وقرب شرائح واسعة من خط الفقر؛ إذ إن آلاف الأسر التي تقع بالكاد فوق الخط يمكن أن تنزلق تحته مع أي صدمة بسيطة.
وتفيد بعض التقارير بأن نسبة غير قليلة من السكان في إيران تقع تحت خط الفقر المطلق، أي أن دخولهم لا تغطي حتى الحاجات الأساسية. كما تشير تحليلات إعلامية مستقلة، في ظل التضخم وتراجع القوة الشرائية للأجور، إلى أن أكثر من 80% من الأسر قد تكون دون معايير خط الفقر العالمي، بينما تذهب تقديرات غير رسمية إلى أن نحو نصف السكان قد يكونون فعلياً تحت خط الفقر إذا ما أُخذت كلفة المعيشة الحقيقية في الحسبان.
العوامل المُفاقِمة
وحسب الموقع الإيراني فإن الفقر ليس ظاهرة اقتصادية منفردة، بل حصيلة عوامل هيكلية متراكمة. فقد ظل التضخم مرتفعاً خلال الأعوام الماضية، وتجاوزت زيادات أسعار السلع الأساسية والخدمات وتيرة نمو الأجور. وتشير تقارير إلى أن القيمة الحقيقية لأجور العمال تراجعت بشكل ملحوظ خلال العقد الأخير، ما قلّص القدرة الشرائية وساهم في اتساع الفقر.
وتُظهر تقارير دولية أن اللامساواة والهشاشة الاقتصادية في تصاعد، وأن فئات تقع قليلاً فوق خط الفقر باتت معرضة للهبوط السريع دونه.
خلل في التصنيف
أصاب النائب فارساني في الإشارة إلى مشكلات نظام تصنيف الدخل. فآليات الاحتساب والمعايير قد تضع بعض الأسر في شرائح أعلى اسمياً، رغم افتقارها لقدرة شرائية كافية. ومع استمرار التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة، قد تُدفَع شرائح إضافية—حتى تلك المصنفة ضمن الشريحة الثامنة—نحو الفقر.
وإذا استمر نمو التكاليف بوتيرة تفوق نمو الدخول، فإن الشرائح المتوسطة نفسها مهددة بالانزلاق السريع، ما يزيد عدد من يكافحون لتأمين أساسيات العيش. وعليه، فإن التحذير من وصول عدد الفقراء إلى 55 مليوناً، وإن كان مقلقاً، إلا أنه ينبغي تقييمه في ضوء الواقع الاقتصادي، والتضخم المزمن، وتآكل القوة الشرائية—وهي عوامل تُجمع عليها تحليلات وتقارير عديدة—لتؤكد أن الفقر في إيران تحدٍّ عميق، متعدد الأبعاد، ومتنام.





تحذير برلماني: اتساع رقعة الفقر في إيران يهدد بـ"تسونامي"

رد مع اقتباس
