مراقبة
المرأة الحديدية
تاريخ التسجيل: September-2016
الدولة: Qatif ، Al-Awamiya
الجنس: أنثى
المشاركات: 25,311 المواضيع: 9,136
صوتيات:
139
سوالف عراقية:
0
مزاجي: متفائلة
المهنة: القراءة والطيور والنباتات والعملات
أكلتي المفضلة: بحاري دجاج ،، صالونة سمك
موبايلي: Galaxy Note 20. 5G
بين عين الذبابة وعين النحلة.. حين تكشف طريقة النظر حقيقة الإنسان
ليس الاختلاف بين الناس في أشكالهم وملامحهم ولا في طباعهم فقط، بل في الطريقة التي يرون بها العالم؛ فالعين لا تنقل الصورة فحسب، بل تترجم ما في الداخل، وتعيد تشكيل الواقع بحسب ما يسكن النفس من صفاء أو عتمة. ولهذا قيل قديمًا:
«كلٌّ يرى الناس بعين طبعه».
في حياتنا اليومية نلتقي بأشخاص كثيرين؛ نعمل معهم، نعيش بقربهم، أو نمرّ بهم عابرًا. بعضهم يترك فينا شعورًا خفيفًا جميلًا، كأن حديثه نسمة، وبعضهم يترك ثِقلاً لا يُحتمل، رغم أنه لم يقل شيئًا جارحًا صراحةً. السرّ ليس فيما قالوه، بل في زاوية النظر التي ينظرون بها إلى العالم. وهنا يمكن أن نستحضر مثالًا بسيطًا لكنه عميق الدلالة: الذبابة والنحلة.
الذبابة، بطبيعتها، تنجذب إلى القاذورات؛ قد تمرّ فوق بستان مليء بالأزهار فلا تلتفت إليه، وتهبط مباشرةً على ما هو متعفّن. ولو سألتها عن العالم لحدّثتك عن الروائح الكريهة والقاذورات، وكأن الحياة كلها لا تتجاوز هذا المشهد. وهكذا بعض البشر؛ تراهم في العمل لا يلاحظون الجهد المبذول، ولا الساعات الطويلة، ولا النية الطيبة، بل يركّزون على هفوة صغيرة أو خطأ عابر، ويجعلونه عنوانًا لكل شيء. إنجاز كامل يضيع أمام ملاحظة سلبية واحدة.
في المقابل تأتي النحلة. تمرّ فوق الأماكن ذاتها، لكنها لا ترى القبح، بل تبحث عن الزهرة. تختار بعناية، تجمع الرحيق، ثم تعود لتصنع منه عسلًا نافعًا للآخرين. هذا النوع من البشر، حين يرى عملًا ما، يلتقط الجوانب المضيئة، يشجّع، يثمّن، ويشير إلى الخطأ بلطف دون أن يهدم الجهد كله. لا يعني ذلك أنه يتجاهل العيوب، لكنه لا يجعلها محور رؤيته ولا سببًا لإلغاء الجمال.
في الواقع العملي نرى هذا الفرق بوضوح:
• موظف يعمل بإخلاص، فيأتي من يختزل جهده في هفوة بسيطة وينسى سنوات العطاء.
• متطوّع يقدّم وقته وخدمته، فيواجه من يركّز على ما لم يُنجز لا على ما أُنجز.
• شخص يحاول تطوير نفسه، فيُقابل بسخرية ممّن لا يرى إلا العثرات.
هؤلاء بعض أصحاب «عين الذبابة»، الذين يتغذّون على النقد السلبي ويشعرون – دون وعي – بنوع من الراحة حين يقلّلون من قيمة الآخرين. في المقابل، هناك من يراك تحاول فيشجّعك، يراك تتعثّر فيمدّ يده، يراك تخطئ فينصحك بلطف. هؤلاء لا يصنعون الضجيج، لكن وجودهم يصنع الفرق. هم أصحاب «عين النحلة»، الذين يجعلون البيئة من حولهم أكثر نقاءً وأكثر قابلية للنمو.
والسؤال الأهم ليس: ماذا يفعل من حولنا؟
بل: أيّ عين نختار لأنفسنا؟
هل نريد أن نكون ممّن يتركون أثرًا طيبًا حتى بعد غيابهم؟ أم ممّن لا يُذكرون إلا بالانتقاد والتجريح؟
العين التي نرى بها العالم هي في الحقيقة انعكاس لما نحمله في داخلنا. وفي زمن امتلأ بالفوضى والضجيج، ربما أجمل ما يمكن للإنسان أن يفعله هو أن يختار أن يكون نحلة لا ذبابة؛ أن يبحث عن الجمال، ويصنعه، ويترك خلفه شيئًا يستحق الذكر الحسن والبقاء