في كُلِّ صَوتٍ وصَمتٍ أَسمَعُ الوَطَنا
فكيف بالنّايِ - مَبحُوحًا - إذا حَزِنا
يا آهَةَ النَّايِ في صَدري، أَمِنْ وَجَعِي
صَنَعتِ لَحنَكِ .. أَم مِن غُربةٍ وضَنَى
الحُزنُ أَطلَقَ كُلَّ الناسِ مِن يَدِهِ
ولم يعد فيه إلَّا مَوطِني، وأنا
وكُلُّ جُرحٍ تَعافَى مِن مَواجِعهِ
إلّا الذي احتَلَّ رُوحِي، واحتَوَى البَدَنا
كم مِن أَسىً في ضُلُوعي، لو أَجُودُ به
لساكِنِيْ الخُلدِ، باتُوا بالأسَى سُجَنا
كَفَّايَ كَفَّا بلادٍ .. هذه بُسِطَت
نحو الشِّفاء، وهذي تَنسجُ الكَفَنا
لا يَأكُلُ الزَّمنُ المَفجوعُ مِن كَبِدي
شَيئًا، فَفِيها اغتِرابٌ يَأكلُ الزَّمَنا
وبَسْمَتِي لستُ أَدرِي كيف أُطلِقُها
أو كيف مِن قَبضَتَيها أُطلِقُ الشَّجَنا
والشِّعرُ ما زال يَأتي ظامِئًا، فإذا
أجرَى المَدَامِعَ مني، لم يَدَعْ وَسَنا
وناسِكُ الشِّعرِ يَبرِي كُلَّ شاردةٍ
ولا يَعِي أَيَّ سَهمٍ قلبَهُ طَعَنا
مَن لم تُعَشِّشْ طيُورُ الحُزنِ فِي دَمِهِ
فليسَ أَهلًا لِيَلقَى مِثلَها فَنَنا
ومَن رَأى الجَهْلَ يَعلُو ثم نافَقَهُ
فليسَ أهلًا ليُدعَى شاعرًا فَطِنا
كم شاعرٍ للمَخازِي باعَ تُربَتَهُ
ونالَ في كُلِّ عارٍ حُظوَةً وثَنا
وكم أَبَى كُلُّ حُرٍّ أن يُدَنِّسَها
حتى ولو في لَظاها نَعشُهُ دُفِنا
يا آهَةَ النَّايِ.. شَوقي لِلبلادِ طَغَى
فليتني كنتُ فيها، أو تكونُ هُنا
أخبارُها كُلَّ يومٍ لا تُبشَِرُني
إلّا بطولِ اغترابٍ، وابتعادِ مُنى
وما يَزال بَنُوها يُقسِمُونَ على
تَقسِيمِها، كي يَزيدوا فَقرَها فِتَنا
ولم أزَل في اغتِرابي خائفًا قَلِقًا
على البلادِ، ومَن في أرضِها سَكَنا
أنا هُنا في ضَبابٍ كادَ يَشرَبُني
متى تَرى العَينُ صَنعا، أو تَرى عَدَنا
لم يَمنَعِ البُعدُ قلبي مِن عِناقِهِما
وما يَزال اغترابي يَحمِلُ اليَمَنا
محمد الفضل






في كُلِّ صَوتٍ وصَمتٍ أَسمَعُ الوَطَنا
رد مع اقتباس