صورة لجوزيف ستالين
لم يكن العقاب الذي طال مدينة لينينغراد بعد الحرب العالمية الثانية حدثاً عابراً، بل جاء نتيجة مخاوف سياسية عميقة داخل أروقة الحكم السوفيتي، في مرحلة اتسمت بالشك والارتياب المطلقين.
بعد اغتيال القيادي الشيوعي سيرغي كيروف في ظروف غامضة مطلع ديسمبر (كانون الأول) 1934، أطلق الزعيم السوفيتي جوزيف ستالين واحدة من أعنف حملات القمع في تاريخ الاتحاد السوفيتي، عُرفت بـ"التطهير الكبير".
صورة لعمال داخل الغولاغ
وخلال الفترة الممتدة أساساً بين عامي 1936 و1938، أمر ستالين باعتقال كل من عارض سياساته أو شكّك في ولائه للنظام، ما أسفر عن إعدام مئات الآلاف وترحيل أعداد ضخمة من المواطنين إلى معسكرات العمل القسري المعروفة بـ"الغولاغ".
لينينغراد… مدينة الصمود والمكانة الخاصة
عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية، برزت لينينغراد كرمز للصمود في الوعي السوفيتي، بعد أن نجت من حصار نازي دام بين عامي 1941 و1944، رفضت خلاله الاستسلام رغم المجاعة والدمار ومقتل مئات الآلاف من سكانها. هذا الصمود منح المدينة مكانة معنوية كبيرة وشعبية واسعة داخل الاتحاد السوفيتي.
غير أن هذه المكانة تحولت سريعاً إلى مصدر قلق في موسكو، إذ بدأت لينينغراد تُنظر إليها كمدينة منافسة سياسياً، تمتلك تقاليد مختلفة ونفوذاً مستقلاً نسبياً عن المركز.
كما أن خلفيتها التاريخية، بوصفها العاصمة السابقة للإمبراطورية الروسية حين كانت تُعرف باسم سانت بطرسبرغ، زادت من حساسية القيادة السوفيتية تجاهها.
صورة لجثث عدد من الضحايا خلال حصار لينينغراد
مخاوف ستالين وتصاعد الشكوك
مع تقدمه في السن وتدهور صحته، ازداد شعور ستالين بالريبة تجاه رفاقه في الحزب الشيوعي.
وكان يعتمد بشكل خاص على القيادي البارز أندري جدانوف، أحد أبرز رموز لينينغراد. لكن وفاة جدانوف عام 1948 فتحت الباب أمام مخاوف جديدة، خاصة مع بروز قيادات شابة وذات كفاءة كانت قريبة منه، وسط شائعات عن إمكانية أن يخلف أحدهم ستالين في حال غيابه.
ستالين رفقة نيكولاي فوزنيسنسكي
"قضية لينينغراد" وبداية العقاب
في يناير (كانون الثاني) 1949، استضافت لينينغراد معرضاً تجارياً يهدف إلى دعم اقتصاد المنطقة المنهك بعد الحرب. إلا أن آلة الدعاية السوفيتية سرعان ما هاجمت المعرض، واعتبرته عملاً معادياً للدولة، متهمة منظميه بالسعي إلى إنشاء كيان فيدرالي مستقل عن السلطة المركزية.
أعقب ذلك حملة اعتقالات واسعة استهدفت قيادات الحزب الشيوعي والمسؤولين الإداريين في أوبلاست لينينغراد، من بينهم بيوتر بوبكوف وأليكسي كوزنيتسوف، إضافة إلى نيكولاي فوزنيسنسكي، الذي كان مسؤولاً عن التخطيط الاقتصادي المركزي.
جانب من الخراب قرب لينينغراد أثناء الحصار
وُجهت للمعتقلين تهم الخيانة، وتزوير الوثائق الاقتصادية، والكذب على الدولة، ومحاولة إنشاء تنظيمات مستقلة عن السلطة المركزية.
وبين عامي 1949 و1950، خضع هؤلاء لمحاكمات صورية سريعة انتهت بأحكام قاسية تراوحت بين الإعدام والأشغال الشاقة.
جنود سوفييت بأحد الخنادق خلال حصار لينينغراد
نهاية الحملة ورد الاعتبار
تشير التقديرات إلى أن حملة التطهير في لينينغراد أدت إلى إعدام أكثر من 200 مسؤول، وإرسال آلاف آخرين إلى معسكرات العمل القسري، إضافة إلى طردهم من الحزب الشيوعي.
ومع وفاة ستالين وبداية سياسة "اجتثاث الستالينية"، أعاد الزعيم السوفيتي نيكيتا خروتشوف عام 1956 الاعتبار لضحايا "قضية لينينغراد"، وسمح للمعتقلين بالعودة إلى ديارهم، في خطوة شكلت اعترافاً رسمياً بظلم تلك الحملة التي عاقبت مدينة صمدت في وجه النازية ودفعت لاحقاً ثمناً لصراعات السلطة.





من حصار هتلر إلى بطش ستالين.. قصة عقاب لينينغراد بعد الحرب






رد مع اقتباس