رحلة عبر قلب بلجيكا: جينت، بروج وأنتويرب بين التاريخ والحياة المعاصرة



انطلقت صباحاً من محطة قطار “ميدي” في بروكسل، حيث كانت العربة الحديثة والمرتبة تُمثل بداية رحلة تحمل بين طياتها ذكريات قديمة وحلم أول قطار في حياتي. رغم أن القطار لم يحمل عبق القطارات الكلاسيكية التي طالما حلمت بها، إلا أن الرحلة احتفظت بسحرها الخاص، إذ جمعت بين الراحة الحديثة وروح السفر التي تلامس الذكريات.
جينت: المدينة الجامعية ذات التاريخ العميق
وصلت إلى محطة “سان بيترس” في مدينة جينت، العاصمة التاريخية لمقاطعة شرق فلاندرز التي كانت في القرون الوسطى من أكبر مدن أوروبا، وواحدة من أبرز مراكز صناعة النسيج والتجارة. المدينة تنبض بالحياة، بطلاب من كل الجنسيات، وسياح، وعمال يحرصون على الترحاب بالزائرين.
اخترت استكشاف المدينة بالدراجة الهوائية (10 يورو لليوم)، لتصبح وسيلة النقل وسيلة للاندماج في روح جينت. بدأت جولتي بزيارة قلعة “غرافنستين” من القرن الـ12، ثم توقفت عند جسر القديس ميخائيل لأستمتع بمشهد الأبراج الثلاثة: برج الجرس، كاتدرائية بافو، وكنيسة نيكولاس.
خلال زيارتي، صادفت المدينة وهي تحتفل بمهرجانها السنوي، حيث كانت الشوارع تتزين بالمسرحيات والألوان، والفن ينتقل من المتاحف إلى جدران الشوارع، خاصة في شارع “ويريخارِنسترات” المعروف بالغرافيتي. أما ساحة “كورينماركت” فكانت قلب المدينة التجاري، بمبانيها الفلمنكية القديمة والمقاهي المزدحمة حيث جلست لأحتسي القهوة وأراقب الحياة تدور بهدوء وحيوية في آن واحد.
بروج: فينيسيا الشمال
بعد يوم حافل في جينت، صعدت القطار متوجهاً إلى بروج، المدينة التي يُطلق عليها “فينيسيا الشمال” لقنواتها المائية الساحرة. من اللحظة الأولى في المحطة، شعرت بأنني أعيش في لوحة تاريخية. الأزقة المرصوفة بالحجارة والجسور الصغيرة، والنوافذ الخشبية المزهرة، جميعها ينقل الزائر إلى زمن آخر.
صعدت برج الجرس “بلفري” للاستمتاع بإطلالة بانورامية على المدينة، ثم انطلقت في جولة بالقارب عبر القنوات (12 يورو)، حيث عكست المياه واجهات البيوت الفلمنكية بألوانها الزاهية. زرت كنيسة السيدة العذراء لرؤية تمثال “مادونا والطفل” لمايكل أنجلو، وأتممت الجولة بتذوق المأكولات المحلية مثل المحار الطازج على الطريقة الفلمنكية (22 يورو).
خيارات الإقامة في بروج متنوعة، بدءاً من فنادق 4 نجوم قرب المركز (110–140 يورو)، إلى نُزل شبابية وشقق “إير بي إن بي” بأسعار معقولة، مع إمكانية استئجار دراجة أو جولة بعربة تجرها الخيول لتجربة شاعرية تعكس جمال المدينة التاريخي.
أنتويرب: ملتقى الأساطير والتجارة
بعد رحلة بالقطار دامت ساعة ونصف، وصلت إلى أنتويرب، المدينة التي جمعت بين مركز اقتصادي عالمي وتراث ثقافي وفني غني. المدينة، التي شهدت ازدهاراً فنياً وتجاريًا في القرن الـ16، تعد اليوم ميناءً حيوياً وأكبر ميناء نهري في أوروبا.
محطة أنتويرب المركزية، التي يسميها البلجيكيون “كاتدرائية السكك الحديدية”، تبدو كقصر من الحجر والزجاج، مع قبب عالية وأعمدة رخامية تعكس grandeur العمارة الأوروبية. في قلب المدينة، يعكس حي الماس تداخلاً ثقافياً فريداً بين التجار اليهود الأرثوذكس، اللبنانيين، الأرمن والمغاربة، ليبرز مزيجاً فريداً من التجارة والثقافة.
كما زرت كاتدرائية السيدة العذراء، أطول كنيسة قوطية في بلجيكا، حيث استمتعت بلوحات “بيتر بول روبنز” الزيتية الغنية بالتفاصيل. وفي المساء، تجولت في شارع “ميير” التجاري واستمتعت بمزيج من العلامات العالمية والأزياء البلجيكية المبتكرة.
جلست أخيراً قرب نهر شيلد، أراقب سفن الشحن وهي تغادر أكبر ميناء بلجيكي، وأدركت أن أنتويرب ليست مجرد وجهة سياحية أو مركز تجاري، بل مدينة حية على مفترق طرق بين الأسطورة والتجارة والفن، تحفظ ماضيها وتستثمره لبناء مستقبلها، مدينة لا تسأل من أين أتيت، بل ماذا تفعل الآن.
هذه الرحلة عبر جينت، بروج وأنتويرب ليست مجرد جولة سياحية، بل تجربة غنية بالثقافة، الفن، والتاريخ، حيث يمتزج الحاضر بالماضي لتبقى الذاكرة محفورة بكل تفاصيلها الساحرة.