لطالما تردد مصطلح “كرة القدم أفيون الشعوب”، وهي محاكاة لمقولة كارل ماركس الشهيرة، لكن الواقع يثبت أن هذه العبارة لم تأتِ من فراغ.
ففي الوقت الذي تعيش فيه الشعوب تحت وطأة القمع والفقر، تصبح الـ90 دقيقة داخل الملعب الأداة الأمثل لمحو الذاكرة الجماعية وصرف الانتباه عن الواقع المرير، وهو ما استغلته الأنظمة السياسية بذكاء ودهاء شديدين.
استعرضت حلقة (2026/1/3) من برنامج "استغراب" -تجدونها في هذا الرابط– نماذج من استغلال الأنظمة الديكتاتورية كرة القدم كأداة سياسية فعالة لتغييب الرأي العام عن الظلم وتغيير الوعي الجمعي للشعوب.
البرازيل.. غطاء للقمع
وطرح "استغراب" نموذج البرازيل، فمع بداية حكم إميليو ميديشي عام 1969، تحولت كرة القدم إلى "غطاء سياسي" لسياسات القمع الوحشي.
واستغل النظام سحر أسلوب "اللعبة الجميلة" (Jogo Bonito) في كرة القدم لإلهاء الشعب، حيث تدخل الرئيس ميديشي مباشرة في الرياضة، وأمر ببناء الملاعب، وحاول فرض لاعبين على المنتخب، بل وطرد المدرب "جواو سالدانيا" حين رفض الانصياع لأوامره.
وحين فاز المنتخب، أعلن الرئيس يوم الفوز عطلة وطنية، معتبرا أن هذا الفرح هو "أعلى صور الوطنية"، لتتصدر صوره مع الفريق الصحف كقائد لانتصار سياسي.
ولم يختلف الحال في الأرجنتين تحت الحكم الديكتاتوري عام 1978، حيث استُخدمت استضافة كأس العالم لتنظيف سمعة الدولة التي اشتهرت بأساليب القمع والتعذيب للمعارضين في السجون، وفي حين كانت الجماهير تحتفل في ملعب "مونيمونتال"، كان المعارضون يُعذبون في سجون سرية على بعد كيلومترات قليلة.
وقد نجحت الخطة، إذ صورت الصحافة العالمية الأرجنتين كـ"أسعد دولة" بعد فوزها بالبطولة لنفس العام.
الفاشية الإيطالية
قبل ذلك عقود، وتحديدا في عام 1934، حولت إيطاليا الفاشية بقيادة بينيتو موسوليني كأس العالم إلى منصة دعاية لربط الفوز بهيبة الدولة وانتصار روما سياسيا وأيدلوجيا لا رياضيا فحسب.
فقد تمكنت إيطاليا من أن تصبح المنتخب الأول في تاريخ منافسات كأس العالم الذي يحتفظ باللقب لنسختين متتاليتين من البطولة، إلا أن سر نجاح منتخب "الأزوري" حينها لم يرتبط بتفوق في الإمكانات أو القدرات البشرية لدى اللاعبين، أو حنكة مدرب المنتخب فقط، إنما ارتبط بالخوف الذي سكن قلوبهم، بعد رسالة رئيس البلاد الذي رفع شعار "ارفعوا كؤوسكم أو نعوشكم".
وقد وصل استغلال الرياضة في عهد موسوليني إلى حد الترهيب بهذا الشعار، في تهديد صريح للاعبين مع ضغوط مورست ضد حكام المباريات لتسهيل تتويج إيطاليا باللقب، ليظهر موسوليني كقائد قوة عالمية.
ووفق مصادر ذكرتها الحلقة، فإن موسوليني كان يضغط على اتحاد الكرة آنذاك للحصول على حق استضافة كاس العالم للمرة الثانية، وهو الأمر الذي كان يخدم موسيليني سياسيا.
النموذج الصيني
حديثا، حاولت الصين تكرار التجربة عبر "خطة إصلاح كرة القدم 2015" لأهداف سياسية بحتة تهدف لإظهار الصين كقوة عظمى في كرة القدم بحلول عام 2050.
واعتزمت من خلال الخطة الحصول على استضافة كاس العالم والفوز فيه بنفس العام، ولذلك ضخت الدولة حينها ميزانيات فلكية لشراء نجوم عالميين وكذلك التخطيط لبناء 70 ألف ملعب بحلول عام 2020 مع تخريج ما بين 30 إلى 50 مليون طفل مؤهلين للعب كرة القدم.
لكن الخطة الصينية اصطدمت بـ"فقاعة كرة القدم"، حيث فشل المال في شراء "ثقافة الشارع" إذ تفتقد الصين اهتمام الشارع بكرة القدم بالإضافة لافتقارهم الخبرة العملية والموهبة، فانهارت الأندية بمجرد توقف التمويل.
في المحصلة، ورغم شعارات المؤسسات الدولية مثل الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا" حول فصل الرياضة عن السياسة، يظل التاريخ شاهدا على أن كرة القدم كانت -ولا تزال- مرآة لطبيعة السلطة، وأداة لتغييب الوعي، تتجاوز كونها مجرد لعبة.





كيف استغل الساسة كرة القدم لتغييب الشعوب عبر التاريخ؟

رد مع اقتباس