1000 تمثال جليدي للفنانة نيلي أزيفيدو أو "النصب التذكاري الأدنى" (غيتي إيميجز)
يهتم الفنانون ومحبو الفنون دائما بأرشفة وحفظ الأعمال الفنية، وتأمينها من التلف أو السرقة، وتخصص ميزانيات هائلة لحفظ القديم منها، ليطول عمره. ويقوم بعض الفنانين بعكس ذلك، يبنون منحوتات لتذوب، ويصممون منشآت فنية ليتم تفكيكها، ويقيمون عروضا ما تلبث أن تصبح أثرا بعد عين.
وإذا كانت قيمة الفن تقاس بما يمكن امتلاكه وبيعه وتخزينه، فإن قطاعا من الفنانين يعلن الثورة على هذا المنطق الذي ربط الفن بمنطق السوق، ويرى أن العمل الفني الصادق هو الذي يصبح فنا زائلا.
و الفن الزائل عبارة عن أعمال فنية تصمم عمدا لتدوم لفترة وجيزة جدا، قد تصل لدقائق، وأحيانا أيام، قبل أن تتلاشى أو تفكك أو تتوقف عن الوجود ككائن مادي.
يمكن أن يكون الزوال متأصلا في المادة، كالجليد والرمل والمواد العضوية، أو في الشكل، كالعروض الحية، أو في قواعد العرض في حالة منع التصوير أو التسجيل أو إصدار الكتالوجات.
ولفكرة الفن الزائل جذور تاريخية، فقد شكك الفن الحديث والمعاصر في العمل الفني باعتباره كائنا ثابتا وقابلا للاقتناء، حيث تصف مصطلحات مثل "الحدث" فعاليات مسرحية تفاعلية ظهرت في أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات، وهي أعمال فنية تجسد تجارب فقط.
وهناك أيضا "الفن التدميري الذاتي"، وارتبط بالفنان "غوستاف ميتزغر". ويقدم متحف تيت (Tate) البريطاني الذي يعد مرجعا عالميا في دراسة الفن وسياقه الثقافي، تعريفا لـ "الفن التدميري الذاتي" بأنه نهج جذري يعد فيه التدمير جزءا لا يتجزأ من فكرة العمل الفني.

سلعة الفن

يقدر تقرير سوق الفن العالمي الصادر عن "آرت بازل" و"يو بي إس" مبيعات سوق الفن العالمي بـ 57.5 مليار دولار أمريكي في عام 2024. ويؤثر منطق السوق هذا على الخيارات الفنية، أحيانا بجذب الفنانين نحو الأعمال الفنية الدائمة، وأحيانا أخرى يدفع آخرين إلى التمرد.
يتجلى هذا التمرد في كيفية تخزين الفن والتعامل معه، ويشمل اقتصاد الفن المعاصر "مناطق تخزين آمنة" (Freeports)، وهي مرافق تخزين عالية الأمان حيث يمكن حفظ الأعمال الفنية القيمة بعيدا عن الأنظار، أحيانا لسنوات، فتصبح أشبه برأس مال مجمد أكثر من كونها قطعا فنية.
ويشرح تقرير "آرتسي" (Artsy) سبب ملاءمة هذه المناطق للمضاربة، قائلا: "إذا كنت مضاربا، فأنت لست بحاجة لرؤية العمل الفني، بل تحتاج إلى تخزين آمن بينما تراهن على ارتفاع قيمته"
وتتجلى هنا فرادة الفن الزائل، فمن الصعب تكديس عمل فني يذوب، كما أن الأداء الفني الذي يعرض لمرة واحدة يقاوم التخزين، ولا يمكن بسهولة تصنيف عمل فني يرفض التوثيق على أنه "محتوى". لكن التوجه نحو الزوال ليس مجرد مناهضة للسوق، بل يتعلق أيضا بكيفية إنتاج المعنى، عبر الزمن، والتواجد المشترك، وعدم إمكانية التراجع.

"مراقبة الجليد" في لندن

من الأمثلة الحديثة التي حظيت باهتمام واسع عمل "مراقبة الجليد"، وهو عمل فني عام للفنان أولافور إلياسون وعالم الجيولوجيا مينيك روسينغ. في لندن، حيث تم تركيب كتل كبيرة من جليد غرينلاندي في مكان يتيح للجمهور رؤيتها ولمسها أثناء ذوبانها، محولا بذلك تغير المناخ من مجرد إحصائية مجردة إلى تجربة ملموسة.


ساعة الجليد للفنان أولاف إلياسون (الفرنسية)

يصف متحف تيت مودرن عمل "مراقبة الجليد" بأنه "مجموعة من أربع وعشرين كتلة جليدية" مثبتة أمام المتحف. وتشير عدة مصادر إلى أن نسخة لندن من العمل الفني عرضت في ديسمبر/كانون الأول 2018، بالتزامن مع مؤتمر الأطراف الرابع والعشرين (COP24)، ونصبت خارج متحف تيت مودرن وفي موقع آخر بمدينة لندن.
كما تشير صفحة أعمال ستوديو أولافور إلياسون الفنية إلى أن العمل عرض في بانكسايد، خارج متحف تيت مودرن، لندن، عام 2018، كسياق موثق لعرضه.
لا يقتصر الأمر هنا على الرسالة المتعلقة بتغير المناخ فحسب، بل يشمل أيضاً الشكل، فالعمل الفني يختفي حرفيا أمامك. هذا الاختفاء ليس عيبا، بل هو المحرك العاطفي للعمل. ثمة مفارقة لا يمكن إنكارها بين عصر رقمي يصر على تصوير كل شيء، وبين إبداع يصر على الفناء ويمنع البقاء ولو في صورة.

تماثيل نيلي أزيفيدو الذائبة

مثال آخر قوي هو "النصب التذكاري الأدنى" (Minimum Monument)، وهو "عمل فني حضري" للفنانة البرازيلية نيلي أزيفيدو. يستخدم المشروع مئات أو آلاف التماثيل الجليدية الصغيرة الموضوعة في الأماكن العامة، والتي تذوب خلال فترة قصيرة.
تصف أزيفيدو مشروعها "النصب التذكاري الأدنى" على صفحتها الرسمية بأنه عمل فني في الفضاء العام أُنشئ عام 2005، ويتألف من آلاف المنحوتات الجليدية البشرية الصغيرة، وقد وضعت في مواقع حضرية مركزية، بمساعدة المارة، وتركت لتذوب.
وبالمثل، يصف مقال نشر في مجلة "ريفيستا" التابعة لجامعة هارفارد هذا العمل، متخيلا "ألف تمثال جليدي" تغطي درجات السلالم في برلين، ويضعه في سياق ممارسة متكررة ظهرت في العديد من المدن.
إن الحجة الفنية هنا أعمق من مجرد "مشاهدة ذوبان الجليد". فمصطلح "النصب التذكاري الأدنى" بحد ذاته نقد، حيث تدعي النصب التذكارية التقليدية الخلود وتتشكل من الحجر، أو البرونز، وتمثل الذاكرة الرسمية.
أما "نصب" أزيفيدو فهو صغير، هش، ومصيره الزوال. إنه نصب مضاد، يرفض وهم إمكانية تثبيت التاريخ بتمثال.

التوثيق ممنوع

لا يذوب كل الفن المؤقت، فبعضه يختفي وفقا لقواعد محددة، ومن الأمثلة المؤسسية اللافتة للنظر أعمال تينو سيغال، الفنان المقيم في برلين والمعروف بأعماله الحية التي يسميها "المواقف المصطنعة".
وتؤدى هذه الأعمال من قبل مشاركين مدربين، غالبا في المتاحف، وتتميز برفضها للآثار المادية.


صورة عامة لأعمال سيغال في افتتاح بينالي فينسيا عام 2013 (غيتي إيميجز)

يصف متحف هيرشهورن الأمريكي للفن الحديث والمعاصر في واشنطن، وحديقة المنحوتات (مؤسسة سميثسونيان)، عملا لسيغال عرض في أكتوبر/تشرين الأول 2018 بأنه "لقاءات حميمة" لا تترك "إلا ذكريات شخصية".
يشير المتحف، صراحة إلى أنه لم يكن من المفترض توثيقها عبر التسجيلات أو الصور أو مقاطع الفيديو، إذ بقيت عابرة بطبيعتها.
ويؤكد دليل معرض سميثسونيان نفسه على قاعدة "عدم التوثيق" هذه، ويؤطرها كرد فعل على "الانتشار المفرط للأشياء". شرط إعادة الأداء بدلا من التخزين ينفي منطق الملكية، إذ يُرى أنه لا يمكن ببساطة حبس العمل الفني في خزنة، بل تجب المحافظة عليه حيا.
يحول الفن الزائل "عدم الديمومة" من نقطة ضعف إلى لغة. فهو يقول إن العمل الفني ليس مجرد شيء يشترى ويحفظ ويعزل عن الزمن، بل حدث يعاش في لحظته، ويشارك مع الآخرين، ثم يختفي.
وفي زمن باتت فيه الثقافة تعامل كرأس مال، قد يكون هذا الاختفاء أبلغ تعبير يمكن أن يقدمه عمل فني.