بين يدي هذا الاسم، يقف الحرفُ متهيّباً، ليس من سطوة التاريخ، بل من جلالِ المعنى الذي سكنَ في جسدِ رجل. لم يكن عليّ بن أبي طالب مجرد محطة في زمن غابر، بل كان "فكرةً" تأبى أن يطويها التراب، و"صرخةً" حق لا تزال تتردد في أروقة الوجدان الإنساني كلما اشتدّ ليل الظلم.
لا يُكتب عن عليّ كبطلٍ أسطوري خرج من عباءة الملاحم اليونانية، بل كإنسانٍ صاغ من طين الأرض سماءً من القيم. هو ذلك الذي اختصر المسافة بين "الخلافة" و"الخِصف"، وبين "سيف ذي الفقار" و"دمعة اليتيم". حين نكتب عنه، نحن لا نستعيد سيرة شخص، بل نستنطقُ ضميراً كونياً اختار أن يكون "أبو تراب" في عالمٍ يلهث خلف بريق الذهب، فصار هو الذهب الذي لا يصدأ، وصار التراب تحت قدميه تبرًا للسالكين.
إنّ عظمة علي تكمن في ذلك "التناقض المنسجم" الذي لم يجتمع في غيره؛ فهو الفارس الذي يرتعد الموت من صليله، وهو نفسه العابد الذي يرتعد قلبه من خشية الله كأنه عصفور بلله المطر. في بلاغته، تجد اللغة وقد خُلقت من جديد؛ كلماتٌ ليست كأحجار البناء، بل كدفقات النور في "نهج البلاغة"، حيث يطوّع الحرف ليصير سيفاً تارة، وبلسماً تارة أخرى.
لم يكن علياً حاكماً بالمعنى التقليدي للسلطة، بل كان "ثورةً في زيّ حاكم". حين قال: "لو تمثل لي الفقر رجلاً لقتلته"، لم يكن يمارس ترفاً لغوياً، بل كان يضع دستوراً للعدالة الاجتماعية يسبق عصره بقرون. هو الذي لم يغره "عسلكم هذا" ولا "ديباجكم"، بل ظلّ يفتش في ليله عن بطنٍ جائعة ليطعمها من قرص خبزه الشعيري، مؤمناً بأنّ كرامة الإنسان هي القبلة التي لا يجوز الانحراف عنها.
أما في استشهاده، فقد قدم عليّ أعظم دروس الوجود. لم يمت بضربة سيف في محرابه فحسب، بل صعد ليؤكد أن "الفوز" ليس في البقاء المذل، بل في الرحيل الشامخ. صرخته "فزتُ ورب الكعبة" كانت إعلاناً عن انتصار المبدأ على الجسد، وانتصار الأبدية على اللحظة العابرة.
يظلّ علي بن أبي طالب بوصلةً لكل من ضلّ الطريق في صحراء المادة. هو ليس ملكاً لطائفة أو عرق، بل هو ميراث "الإنسان" في أبهى تجلياته. نحن لا نحتاج أن نبكي علياً بقدر ما نحتاج أن "نستعيره" في أيامنا هذه؛ نحتاج عدله في قضايا الجياع، وشجاعته في قول الحق أمام طواغيت الذات، وزهده في حطام الدنيا الزائل. سيبقى عليّ القمة التي كلما ارتقينا نحوها، اكتشفنا أن الطريق إليه يبدأ من داخلنا، من صدقنا مع أنفسنا، ومن انحيازنا الدائم للحق، مهما كان الثمن مُرّاً.







رد مع اقتباس