القطيف كما رآها البحارة الإغريق – بقلم صادق علي القطري
إلى البحر الذي حفظ الأسماء حين ضاعت، وإلى المرافئ التي لا تزال تُصغي لخطى البحّارة القدامى، وإلى القارئ الذي يبحث عن جذور المكان في مرايا التاريخ.


حين أبحرت سفن الإغريق شرقًا، لم تكن تسعى إلى جغرافيا فحسب، بل إلى معنى. كانت البحار كتابهم المفتوح، والمرافئ هوامشه، والأسماء علاماتٍ مؤقتة على طريقٍ طويل. في هذا الأفق البعيد، حضرت سواحل الخليج العربي, وحضرت معها القطيف, بوصفها نقطة التقاءٍ بين البحر والصحراء، وبين التجارة والذاكرة، وبين الاسم الذي يُكتب والاسم الذي يتبدّل.
البحر بوصفه طريقًا للمعرفة
لم يعرف الإغريق الشرق من اليابسة وحدها، بل من الموج. البحر عندهم لم يكن حدًّا بل جسرًا، ومن خلاله تشكّل وعيٌ بحريّ يرى الساحل العربي جزءًا من نظامٍ كونيّ للتبادل. في هذا النظام، لم تكن القطيف مدينةً معزولة، بل حلقةً في سلسلةٍ من المرافئ التي تُغذّي الملاحة وتستقبلها.


الخليج في الخرائط الذهنية الإغريقية
في النصوص الجغرافية الإغريقية، يظهر الخليج العربي بوصفه بحرًا داخليًا له طبائع خاصة: مدٌّ وجزر، خلجان ضحلة، وسواحل ملائمة للتوقّف والتزوّد. هنا تتردّد أسماء المرافئ وتختفي، لكن الإقليم يبقى حاضرًا بوصفه فضاءً تجاريًا حيًّا. ضمن هذا الإطار، تُفهم القطيف لا كاسمٍ ثابت بالضرورة، بل كوظيفةٍ جغرافية: مرفأ، سوق، وملتقى طرق.
جرهاء وظلّها الساحلي
حين كتب سترابون عن جرهاء، وصف ثراءً لا يُخطئه النظر، وتجارةً تمتدّ من أعماق الشرق إلى تخوم المتوسط. وبينما تتنازع الدراسات الحديثة حول تحديد موقع جرهاء بدقّة، يبقى الثابت أنّ إقليم شرق الجزيرة العربية، حيث القطيف، كان قلب هذا النشاط. وهكذا، تقف القطيف في ظلّ الجرهاء, تشاركها البحر، واللؤلؤ، وحركة السفن، وتقتسم معها الدور في اقتصادٍ بحريّ عالميّ مبكّر.


أسماء تتبدّل… والمكان واحد
لم يكن الإغريق معنيّين بتثبيت الاسم بقدر تثبيت المنفعة. لذا تغيّرت التسميات، واختلفت الكتابات، وبقي المكان. ما يهمّ البحّار هو الساحل الآمن، والماء العذب، والسوق التي تُبادل اللؤلؤ بالبضائع. في هذا المعنى، كانت القطيف حاضرة، حتى إن غابت عن السطر، بما تؤدّيه من دورٍ بحريّ لا يُستغنى عنه.
اللؤلؤ لغة مشتركة
عرف الإغريق اللؤلؤ، وسمعوا عن سواحل تُخرجه من أحشائها. وكانت مياه الخليج، ولا سيّما سواحله الشرقية، من أبرز مصادره. هنا، تتلاقى الخبرة المحلية بالطلب العالمي، ويتحوّل البحر إلى منجمٍ صامت. القطيف، بسواحلها ومرافئها، كانت جزءًا من هذه اللغة الاقتصادية التي فهمها الإغريق بلا ترجمان.


المرفأ كذاكرة
المرافئ ليست حجارةً فقط؛ إنها ذاكرة عابرة تُعاد كتابتها مع كل رسوّ. في القطيف، كان المرفأ مساحةً للتلاقي، بحّارة، تجّار، لهجات، وطقوس. الإغريقي الذي يرسو هنا لا يرى مدينةً بعينها فحسب، بل يرى الشرق في صورةٍ مُصغّرة، سوقًا، وماءً، ونخلاً، وسماءً قريبة من الموج.
بين الوصف والتخييل
كتب الإغريق الشرق وهم يخلطون الوصف بالدهشة. لم يكن كل ما دوّنوه تقريرًا محايدًا؛ كان بعضه تخييلاً يولده البُعد. ومع ذلك، فإن هذا التخييل نفسه شهادة على الأثر وأثر المكان في المخيلة. والقطيف، بما تحمله من ازدواج البحر والصحراء، كانت مادةً خصبة لهذا المخيلة.


القطيف حضور بلا اسم
قد لا نعثر على اسم “القطيف” حرفيًا في المدونات الإغريقية، لكننا نعثر على ما يدلّ عليها من مرافئ، تجارة، لؤلؤ، ومسارات بحرية. هذا هو حضورها الأصدق، حضور الوظيفة والدور، لا حضور اللفظ فقط.
خاتمة
هكذا رآها الإغريق وهكذا وصلنا صداها، ساحلٌ يعمل، وبحرٌ يتكلّم، ومكانٌ يثبت نفسه عبر الزمن رغم تبدّل الأسماء. القطيف، في عين البحّارة الإغريق، لم تكن هامشًا، بل كانت جزءًا من المتن البحريّ الكبير؛ قصةٌ تُروى بالموج قبل أن تُكتب بالحبر.


المهندس صادق علي القطري