في لحظات الانتقال السياسي، يثير تكليف رئيس وزراء سابق بتشكيل حكومة جديدة
جدلًا واسعًا يتجاوز الشخص إلى الفكرة ذاتها، أي إلى معنى العودة السياسية
وما تحمله من دلالات متناقضة في الوعي العام وفي حسابات الدولة.
هذه الخطوة لا يمكن قراءتها بوصفها إجراءً تقنيًا محضًا، بل باعتبارها
مؤشرًا على طبيعة النظام السياسي، وقدرته على التجدد، وحدود خياله في إنتاج البدائل.
من زاوية إيجابية، يُنظر إلى تكليف رئيس وزراء سابق بوصفه استدعاءً
للخبرة المتراكمة، خصوصًا في دول تعاني من هشاشة مؤسساتية وتعقيد أمني
واقتصادي. الخبرة هنا لا تعني فقط المعرفة الإدارية، بل الإلمام بتوازنات
الداخل وتشابكات الخارج، وفهم آليات الدولة العميقة، وكيفية التعامل
مع البيروقراطية، والبرلمان، والقوى النافذة. في هذا السياق،
قد يُقرأ التكليف باعتباره محاولة لتقليل المخاطر
في مرحلة حرجة، والرهان على شخصية “مجرَّبة” بدل المغامرة
بوجوه جديدة تفتقر إلى أدوات الحكم أو شبكات التأثير.
كما قد يُفسَّر على أنه تعبير عن استمرارية الدولة، لا انقطاعها،
أي أن الحكم ليس قطيعة مع الماضي بقدر ما هو تراكم خبرات وتعلم من الأخطاء.
لكن الوجه الآخر لهذه الخطوة لا يقل حضورًا ولا تأثيرًا. فتكليف
رئيس وزراء سابق قد يُفهم بوصفه عجزًا بنيويًا عن إنتاج نخب جديدة،
ودليلًا على انسداد الأفق السياسي، حيث يعاد تدوير الوجوه ذاتها داخل
حلقة مغلقة. في هذه القراءة، تتحول الخبرة من قيمة مضافة إلى
عبء رمزي، وتُستحضر الذاكرة الجمعية بكل ما تحمله من إخفاقات،
وملفات معلقة، ووعود لم تتحقق. هنا لا يُحاسَب المرشح على ما سيقدمه،
بل على ما لم ينجزه سابقًا، فتُستعاد الأسئلة المؤجلة بدل أن يُفتح أفق جديد.
الدلالة السلبية الأعمق تكمن في الرسالة التي تُبعث إلى المجتمع،
ولا سيما إلى الأجيال الشابة، ومفادها أن التغيير محكوم بسقف ضيق،
وأن النظام السياسي يدور حول ذاته. هذا الإحساس يعمّق الفجوة
بين الدولة والمجتمع، ويغذي مشاعر اللامبالاة أو الغضب الصامت،
لأن التداول الحقيقي للسلطة لا يُقاس فقط بالانتخابات،
بل بقدرة النظام على تجديد نخب الحكم ورؤاه.
الحسم في تقييم هذه الخطوة لا يكون بالاسم ولا بالسيرة الشخصية،
بل بالسؤال الجوهري: هل العودة تعني تكرار التجربة أم تجاوزها؟
هل تأتي محمولة برؤية مختلفة للدولة، وبرنامج واضح، ومعايير جديدة
في الحكم، أم أنها مجرد استعادة للمعادلات ذاتها بوجوه مألوفة ؟
عند هذا الحد الفاصل فقط، يمكن أن تتحول العودة إلى فرصة تصحيح،
أو تُسجَّل بوصفها علامة إضافية على مأزق سياسي لم يُحسم بعد.





رد مع اقتباس

