فانوس رمضان يوقظ ذاكرة ممتدة لقرون في الوجدان المصري
في ليالي رمضان، لا يضيء فانوس الأطفال شرفات البيوت وشوارع المدن فحسب، بل يوقظ ذاكرة ممتدة لقرون في الوجدان المصري والعربي.
ففانوس رمضان لم يعد مجرد أداة للزينة أو لعبة موسمية، بل تحول إلى رمز ثقافي واجتماعي يجسد فرحة الشهر الكريم، ويروي حكاية علاقة خاصة بين الناس ورمضان، بدأت من القاهرة الفاطمية، قبل أن تنتقل إلى مختلف العواصم العربية، محتفظة بروحها الأولى رغم تغير الأشكال وتبدل الأزمنة.
ويحتل فانوس رمضان مكانة خاصة في الذاكرة الشعبية للمصريين، بوصفه أول بشائر الفرح التي تسبق حلول الشهر الكريم. فمع ظهوره في أيدي الأطفال وعلى شرفات البيوت، تستيقظ مشاعر جماعية من الحنين والبهجة، ويشعر الناس بأن رمضان لم يعد موعدا في التقويم، بل حالة إنسانية تعاش بكل تفاصيلها.
وبين ضوء فانوس وآخر، تتوارث العائلات طقسا بسيطا لكنه عميق الدلالة، يجمع بين اللعب والاحتفال واستعادة ذكريات الطفولة، وليس الفانوس مجرد قطعة مضيئة تزين الليالي، بل حامل لحكايات البيوت وأصوات الشوارع وضحكات الأطفال وهم يجوبون الأزقة مرددين أناشيد رمضان.
تتسابق المتاجر في تقديم أسعار تنافسية للفوانيس للمستهلكين في شهر رمضان
صوت رفعت
وبالتزامن مع أضواء الفوانيس وعلو أصوات رفرفة زينة رمضان في الهواء الطلق، يتردد الصوت الأيقوني للقارئ الشيخ محمد رفعت (1882 – 1950)، وهو يقرأ ما تيسر من القرآن الكريم قبيل الإفطار في الإذاعة المصرية، ممتزجا مع أصوات جلبة لطيفة في مطابخ البيوت استعدادا لتجهيز مائدة الإفطار في مشهد يتكرر كل يوم من أيام الشهر الكريم.
في تلك اللحظة اليومية تتشكل سيمفونية رمضانية تتميز بها "المحروسة"، تتناغم فيها أصوات البيوت والأسواق والشوارع والمساجد، والمقاهي، حيث يجتمع الشباب والعائلات على إيقاع شهر لا يشبه سواه، في طقوس يومية متوارثة تمنح "رمضان" طعما خاصا لا يتكرر.
يقول محمد إبراهيم (40 عاماً) لـ الجزيرة نت:" كان صوت الشيخ محمد رفعت إيذاناً بدخول وقت الإفطار، فيسرع كل إلى وجهته، للقاء أحبة يجمعهم مائدة الإفطار، وبعد الآذان وتلاوة الدعاء نتناول حبات من التمر والعصائر المبردة بينما يترقب الأطفال والكبار حلقات من قصص بكار الممتعة".
مائدة الإفطار.. تجمع عائلي يتجاوز الطعام
مع إطلاق مدفع الإفطار تتسارع الخطى بأطباق متنوعة مما لذ وطاب إلى موائد طعام، يجمعها الحرص على الدفء العائلي، وتأكيد الاستقرار الاسري في مواجهة شقاق متزايد بالبيوت ودعايات كثيفة للمطاعم. وعلى الطاولة تجد أطعمة تشتهر بها السفرة المصرية مثل: الفتة باللحم، والمحاشي، والملوخية، والبط المشوي، والمكرونة بالبشاميل.
الخمسيني عبد الله رضوان، يستعد لما يصفه بأجمل لحظاته في شهر رمضان، حيث يلتقي بأفراد عائلته الكبيرة، من أبناء أخواته وأحفادهم، على سطح منزل أحد أشقائه بضاحية شبرا الخيمة في العاصمة القاهرة، في فرصة يراها ذهبية لصلة الرحم و"اللمة العائلية" في ملتقى واحد نادراً ما يحدث على مدار العام، كما يقول لـ "الجزيرة نت".
ويواصل الشاب محمد إبراهيم حديثه معرباً عن حزنه لفقد هذا الاجتماع على طاولة الأحباب وسط تنوع شهي من الأطعمة، حيث يحول سفره في الخارج وغربته عن هذا اللقاء العائلي المستمر حتى اليوم، فيما يحاول استعادة أي مشاعر معهم أثناء الإفطار، في بعض الأحيان عبر الإنترنت.
مستلزمات شهر رمضان تنعش الأسواق في مصر
مائدة وشنطة وصور جديدة للإطعام
في الشوارع والساحات العامة، تعانق صور جديدة للإطعام الخيري أفئدة المعوزين والمحتاجين. وبينما تتراجع قليلاً موائد الرحمن التي كانت علامة بارزة في التسعينات، تتصدر حالياً صور الإفطارات الجماعية للأهالي في الأحياء الشهيرة والمدن، حيث يجتمع الفقير والغني في موائد عامة دون لافتة كانت تشكل إحراجاً.
بفرحة كبيرة، يتذكر عمرو علي الدين المحامي (38 سنة) العام الماضي، حيث أقام أهالي مدينة بلطيم بمحافظة كفر الشيخ، شمالي مصر، إفطارا جماعيا على كورنيش بحيرة البرلس، على امتداد كيلو ونصف، على غرار تجربة الإفطار السنوي لحي المطرية الشهير. ويشير إلى احتمالية عقد هذا الإفطار بصورة أكبر هذا العام بسبب مطالبات الأهالي.
تراجع أعداد الموائد الرحمن، يراه البعض ومنهم "على الدين"، تجسيداً لروح منتشرة للمحافظة على مشاعر الصائمين الفقراء، الذين أصبحت تصلهم وجباتهم من خلال الجمعيات الخيرية ومؤسسات الإطعام وصناع الخير أنفسهم دون الحاجة للتجمع تحت لافتة مائدة الرحمن.
يتوازى مع مشاهد الإفطارات الجماعية وإطعام الجمعيات مشاهد توزيع شنطة رمضان التي تضم سلة من السلع الغذائية اللازمة في الإفطار والسحور، كالبقوليات والزيت والسمن والأرز والمكرونة، وهو المشهد الذي يرى "على الدين" أنه يشهد فاعلية كبيرة في القرى عكس المدن بمصر، للوصول إلى المستحقين، بسبب ما يصفه بالتلاحم الاجتماعي.
الشباب وجيل زد.. بين "رمضانين"
ومع قدوم شهر رمضان، تزداد أصوات إشعارات الهواتف المحمولة في غرف الأبناء لمتابعة ما استجد على الشاشات، بينما كثير من الأمهات بمفردهن في المطبخ.
تقول ندى (15 سنة)، اسم مستعار بناء على طلبها، لـ الجزيرة نت"، "نحن جيل المواقع الافتراضية، ورمضان بالنسبة لنا متنوع، بين من يبحث عن التسلية والمسلسلات والسهر وبرامج المقالب مثل رامز جلال، ومن يسعى للتجاوب مع الشهر كترند، وما بين من يسعى للتقرب إلى الله".
في هذا السياق، ترتفع أحياناً أصوات ضجيج في بعض البيوت المصرية، أثناء صراع "الافتراضي" مع الواقع، ما بين مساحات الشباب وجيل زد (مواليد ما بين عامي 1997 -2012) ورغبات آبائهم.
يقول عماد الحكيم، لـ "الجزيرة نت"، هذا الشهر يمثل تحدياً لي كولي أمر، في التعامل مع ابني الشاب، الذي يعتبر رمضان فرصة للنوم والانطلاق والسهر مثله باقي أبناء جيله على عكس جيلنا". ويوضح الأب، الذي يعمل خبيراً اجتماعياً، أن هناك ضغط اجتماعي كبير على الأسر نتيجة فرض نمط معين في رمضان، ما يؤدي إلى تلقيه استشارات كثيرة من أباء وأمهات حول التعامل مع أبنائهم في هذا الشهر.
الأسواق لا تنام ولا تتوقف
في رحاب الشهر الكريم، تكون لأصوات الأسواق إيقاع مميز في الطقوس الرمضانية المصرية. وقبيل رمضان يستعد التجار بمعارضهم الرمضانية، التي لا تنتشر فقط، بالمتاجر والمحال بمختلف مناطق مصر، بل تصل إلى بعض النقابات المهنية مثل نقابة الصحفيين، بالتوازي مع معارض "أهلاً رمضان" التى تدشنها الحكومة المصرية بالتعاون مع الغرف التجارية لتوفير السلع الأساسية بأسعار تنافسية.
وفي حركة اقتصادية دؤوبة، يحرص معظم المصريين على شراء زينة رمضان والفوانيس، وتجميع "خزين" الشهر قبيل انطلاقه، لكن هناك متطلبات يومية لتحضير وجبات الإفطار والسحور، ومشتملاتهما، تجعل الأسواق لا تنام، وفي حالة حركة لا تتوقف، خاصة قبل وجبتي الإفطار والسحور.
ويقول عادل عامر حول تجربته في التسوق "إن التسوق في رمضان جزء من احتفالات هذا الشهر وموسم عريق في الثقافة الاستهلاكية المصرية لمدة 30 يوماً".
ويبرز حضور المرأة المصرية في هذا المشهد بشكل لافت وهي تتنقل أمام بائعة الخضروات ومحال بيع اللحوم والطيور، باعتبارها المسؤولة الأولى في البيت عن تجهيز الطعام. وتؤكد السيدة أم علي (60 عاماً)، أنها تحاول الاستفادة من كل العروض التنافسية المقدمة لصنع مائدة طعام متنوعة قدر الإمكان في ظل الظروف الاقتصادية الحالية.
أجواء مسائية متنوعة
في مساء رمضان، هناك أصوات أخرى مميزة، تصدح بها المآذن خاصة في الجامع الأزهر ومسجد الحسين حاملة عبق الشهر وروحانيته.
بعد صلاة التراويح أو متابعة مسلسل جديد تشهد القاهرة أجواء مسائية صاخبة، نابضة بالحياة، حيث يخرج الناس إلى الشوارع والمولات والأسواق وتمتلئ المقاهي والخيام الرمضانية، بأماكن الجلسات العائلية والشبابية، وتمتد أجواء البهجة والفرح، ممتزجة بأصوات الباعة ومقدمي الخدمات حتى السحور وصلاة الفجر.
يقول الشاب محمد حسن: "في كل مساء من رمضان هناك مهرجان دائم لمدة 30 يوما، يوازي المهرجان الديني".





فانوس رمضان.. حكاية الضوء الذي خرج من القاهرة إلى العالم



رد مع اقتباس
