لا يتوقف الإنسان عن محاولة اكتشاف الأشياء من حوله لكنه لا يهتم كثيرا لمعرفة نفسه التي تتنقل به بين أحوال يقول العارفون إنها لا تقر ولا تستقر، وإن محاولات سبر أغوارها تشبه حربا لا نهاية لها.
وعلى جهل الإنسان بحقيقة نفسه، فإن محاولة التعرف عليها ومعرفتها لم تكن بالأمر الهين ولا الرحلة اليسيرة على المفكرين والفلاسفة والأدباء والأئمة، كما يقول أسعد طه في برنامج "قال الحكيم" التي يمكن متابعتها من هذا الرابط.
فعلى مدار التاريخ المعرفي للبشر، كانت معرفة النفس والوقوف على طبيعتها محط اهتمام فلاسفة ومفكرين وأدباء في الشرق والغرب ومن مختلف المشارب، حسب ما تطرق إليه طه في حلقته "عن النفس".
وبين مشفق على هذه النفس ومحذر منها، حاول المفكرون إيجاد تعريف للنفس أو الإمساك بطرف خيط قد ينتهي بمعرفتها في نهاية المطاف. وقد حذر الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه من تداعيات هذه المحاولات بقوله "إن الإنسان كلما ازداد خبرة بالنفس زاد خطر اختناقه شفقة عليها".
لكن المفكر المصري عبد الوهاب المسيري كان له موقف آخر من هذه النفس التي قال إن اكتشافه للشر الكامن فيها قاده للبعد عن الإيمان، وإن اكتشافه للخير الكامن فيها دفعه للعودة إليه، وهو المعنى نفسه تقريبا الذي تحدثت عنه الكاتبة التركية إليف شافاق بقولها إن "المعرفة بالنفس تقود الإنسان للمعرفة بالله".
أما المفكر المصري الدكتور مصطفى محمود فذهب بعيدا جدا، بقوله إن "اللقاء مع النفس شاق، وتمام الوفاق معها أشق وأصعب"، وإن "ذلك الانسجام الداخلي ذروة قلَّ من يبلغها، لكن الأمر يستحق المحاولة".
ولعل هذه النظرة الأخيرة بما فيها من فلسفة تتعلق برحلة التعرف على النفس تدفع الإنسان إلى المضي قدما في هذه الرحلة بدلا من تخويفه منها كما فعل نيتشه في تحذيره من مخاطر اختناق الإنسان شفقة على نفسه إذا عرف حقيقتها.
وقد قال عبد القاهر الجرجاني إن النفس هي الجوهر المشرق داخل البدن، بيد أن الكثير من الأسئلة والحيرة يخفي هذا الإشراق المنير لها، فضلا عن التساؤل عن طبيعة النفس ذاتها وهل هي طيبة أم شريرة؟
وردا على هذا التساؤل، يقول الإمام ابن قيم الجوزية إنها نفس واحدة لها صفات متعددة، وإنها تسمى بحسب الصفة الغالبة عليها. في حين يخص الجرجاني "النفس اللوامة" التي يقول إنها "تنورت بنور القلب قدر ما تنبهت عن سِنة الغفلة، فكلما صدرت عنها سيئة بحكم جبلتها الظلمانية أخذت تلوم نفسها وتتوب عنها".
ورغم شدة وصف "جبلتها الظلمانية"، فإنه يبدو خفيفا إذا قورن بالوصف الذي جاء في القرآن الكريم على لسان نبي الله يوسف -عليه السلام- عندما قال "إن النفس لأمارة بالسوء"، وهو وصف يطرح سؤالا عن هذه التناقض في النفس التي تأمر بالسوء ثم تلوم صاحبها عليه.
مراتب الرقي بالنفس
وفي الصوفية، تحدث الشيخ أبو الحسن الشاذلي عن مراتب الرقي بالنفس قائلا إنها تتنقل من أمارة بالسوء إلى لوامة ثم إلى ملهمة ومنها إلى مطمئنة فراضية فمرضية. وفي هذه الأخيرة "تكون قد دخلت حيز الكمال وتخلصت من ران الطباع وتحكم الجسد فيها فتكون لها الشفافية والإطلاق".
بينما يرى الإمام أبو حامد الغزالي أن النفس "تترقى عبر مدارج الصلاح فهي تخلق ناقصة قابلة للكمال، وأنها تكتمل بالتربية وتهذيب الأخلاق والتغذية بالعلم.
وعن إمكانية سقوط النفس من العلو الذي وصلت إليه يقول ابن القيم "إنها قد تكون تارة أمارة، وتارة لوَّامة، وتارة مطمئنة، بل إنها تتنقل بين هذه الأحوال في اليوم الواحد أكثر من مرة، والحكم للغالب عليها من أحوالها".
وتبدو النفس المطمئنة مطلبا عصيا على القاصدين، ودونها الكثير من التعب والنصب، ولا ينجو من مشقة الوصول إليها صالح أو طالح، وهو ما دفع جلال الدين الرمي للقول إن مكابدة النفس حرب لا نهاية لها. في حين ذهب الإمام أحمد بن حنبل بعيدا بقوله إن الراحة لن تدرك إلا بوضع إحدى قدمي الإنسان في الجنة.





"خير أم شر".. كيف نظر الفلاسفة والمفكرون للنفس البشرية؟
رد مع اقتباس
