وجبات خيرية في العاصمة الأردنية عمان خلال شهر رمضان (رويترز)
لا يحل شهر رمضان المبارك في الأردن كضيف عابر، بل كحالة عامة تعيد تنظيم حياة الناس، ومع أيامه الأولى، يشعر الأردنيون بأن الزمن نفسه تبدل، فالنهار يبدو أطول رغم قصره، والليل يتحول إلى مساحة اجتماعية مفتوحة.
وفي الأردن، تتزين الأسواق مساء بأضواء الفوانيس، ويعبق الهواء بروائح عصير التمر الهندي، وتعلو أصوات المدفع معلنة قرب الإفطار، فيما تمتلئ المقاهي والساحات بالضحكات والحوارات الممتدة حتى ساعات متأخرة.
وسط هذا التحول، تتقدم العادات الرمضانية بوصفها لغة الناس اليومية، فمن إيقاع الأسواق قبل الإفطار، إلى موائد البيوت المفتوحة، ومن الإفطار على الطريق، إلى نداء المسحراتي في الأزقة وصداه المألوف، وصولا إلى مدفع رمضان الذي يعلن عن قرب وقت الإفطار، معلنا بدء لحظة الانتظار والترقب في كل حي وشارع.
ومع اقتراب أذان المغرب، تتغير ملامح المدن الأردنية دفعة واحدة، فالأسواق تزدحم، والأقدام تسرع، والوقت يضيق، دقائق قليلة تفصل الناس عن لحظة يتوقف عندها كل شيء، فرمضان في الأردن لا يعلن عنه بالأذان فقط، بل بما يسبقه، كحركة الشارع، وازدحام البسطات، وقلق اللحظة الأخيرة، فهو شهر يبدأ من السوق، ويمتد إلى البيوت، قبل أن يستقر في الذاكرة.
عادات رمضانية
قبل الغروب بساعتين، تتحول الأسواق الشعبية في عمان وإربد والزرقاء وغيرها من المحافظات إلى مسرح يومي متكرر، بسطات القطايف الطازجة تتصدر المشهد، أقراص بيضاء مصطفة بعناية، وأيد تعمل بسرعة لا تخلو من ابتسامة، إلى جانبها تصطف بسطات العصائر الرمضانية بألوانها الداكنة، قمر الدين، الخروب، التمر الهندي، والسوس، والأصوات تتداخل، فيما يراقب الناس الوقت بوميض من الترقب.
لكن الاستعداد لا ينتهي عند أبواب البيوت، فقبيل أذان المغرب -أو في لحظاته الأولى- تتكرر مشاهد باتت علامة رمضانية أردنية، شبان يقفون عند الإشارات الضوئية، متطوعون يحملون أكياسا صغيرة، ووجبات خفيفة تُوزع على سائقي السيارات الذين أدركهم الوقت في الطريق، تمرات، ماء، وأحيانا عصير، تقدم بسرعة قبل أن يتحرك السير من جديد.
هذه العادة، التي بدأت كمبادرات فردية، تحولت إلى سلوك مجتمعي واسع، اللافت أن شرطة المرور الأردنية تشارك في هذه المشاهد، بتنظيم الحركة وتوزيع وجبات الإفطار الخفيفة، في رسالة عملية بأن الإفطار -حتى على الطريق- لا ينبغي أن يكون لحظة توتر.
ورغم كونه طبقا وطنيا عاما، فإن المنسف الأردني يحضر بقوة على موائد رمضان، خاصة في أيام الجُمَع والعزائم الكبيرة، فلا يقدم بوصفه وجبة فقط، بل كرمز للجاهزية الدائمة لاستقبال الآخر.
كما يرتبط مع شهر رمضان عادات تقليدية مميزة، أبرزها إطلاق مدفع رمضان، الذي يطلقه الجيش الأردني منذ عقود معلنا موعد الإفطار، لصبح مدفع رمضان رمزا ثقافيا يجمع بين التراث والهوية الوطنية، ويستقطب اهتمام المواطنين والزوار على حد سواء، إذ يتحول إطلاق المدفع إلى مناسبة تقليدية يترقبها الصغار والكبار كل مساء رمضاني.
مدفع رمضان الذي يطلقه الجيش الأردني معلنا موعد الإفطار أصبح رمزا ثقافيا وتراثيا ينتظره الجميع (الأناضول)
مبادرات صغيرة.. أثرها كبير
إلى جانب موائد البيوت، تنتشر خلال الشهر مبادرات شعبية مصغرة، إفطارات جماعية تنظم في الساحات العامة، عند الأرصفة، أو قرب أماكن العمل، لا لافتات ولا ضجيج، فقط طاولات بسيطة ووجبات جاهزة، هذه المبادرات تعكس تحولا في مفهوم التكافل الاجتماعي، من عمل موسمي منظم إلى فعل يومي عفوي.
فاطمة سمير، طالبة جامعية في العشرينات، لا تكتفي بالمشاركة في مبادرات الإفطار الجماعي، بل أطلقت مبادرتها الخاصة تحت اسم "موائد رمضان" في حيها، تعد فاطمة مع مجموعة من صديقاتها وجبات بسيطة وصغيرة الحجم توزعها على العائلات المحتاجة والأسر التي لا تستطيع تجهيز إفطار كامل، إضافة إلى سائقي السيارات العابرين، ليقوم الشبان بتوزيعها بعد ذلك.
تقول فاطمة في حديثها للجزيرة نت "نحن لا نخترع شيئا جديدا، فقط نخرج ما تعلمناه في بيوتنا إلى الشارع، ونحاول أن يشعر الجميع أن رمضان للجميع".
بعد صلاة التراويح، تستعيد المدن الأردنية حيويتها، الساحات العامة، المقاهي الشعبية، وحتى الأرصفة، تتحول إلى فضاءات لقاء، جلسات عائلية تمتد في بعض الأحيان حتى السحور.
في الأحياء الشعبية، تتكرر مشاهد مألوفة، فكبار السن يجلسون أمام البيوت، الشباب يتجمعون في الزوايا، والأطفال يلعبون حتى وقت متأخر، هذه التفاصيل الصغيرة تصنع "رمضان الحي"، البعيد عن الصورة النمطية الجامدة.
شهر رمضان متنفس لبعض الشباب الأردنيين من خلال بيع العصائر في الطرقات
المسحراتي.. صوت الحارة
ومع اقتراب السحور، يعود صوت المسحراتي، لكن بنكهة أردنية خالصة، يستخدم لهجات محلية، وأحيانا أسماء العائلات، فهذا الطابع الشخصي يمنحه حضورا خاصا، ويحول النداء إلى تواصل اجتماعي مباشر.
يؤكد حامد السعيدي، أنه مسحراتي منذ أكثر من عشرين عاما، لافتا إلى أنه "لا يكفي أن تنادي، يجب أن تعرف الحارة، وتعرف الناس بأسماءهم في بعض الأحيان، حتى تستطيع أن تلمس قلوبهم وتوقظهم برفق".
وأضاف في حديثه للجزيرة نت "رمضان ليس مجرد صوت ينادى، بل فرصة للتواصل، لتذكير الجميع بالوقت وبالجماعة، ولإعادة الروابط بين الجيران بطريقة بسيطة لكنها مؤثرة".
ويقول أحيانا أسمع صوت الأطفال يصرخون من النوافذ فرحا، أو كبار السن يفتحون النوافذ بابتسامة، وعندها أشعر أن عملي ليس فقط لإيقاظ الناس، بل لإحياء جزء من روح الحي وكل بيت فيه".
رمضان في الأردن ممارسة اجتماعية يومية تعكس تقاليد وحياة الناس في المملكة
هوية رمضانية
ويوضح السعيدي أن "كثير من كبار السن، يرون في المسحراتي الشيء الوحيد الذي يذكرهم بطقوس رمضان القديمة، بصوت يملأ الأزقة وبعادات لم يعد كثيرون يمارسونها، فكل نداء يصبح جسرا بين الماضي والحاضر".
رمضان في الأردن ليس مجرد طقس ديني، بل هو ممارسة اجتماعية يومية تتجسد في كل زاوية من المدينة، في الأسواق المزدحمة، وفي البيوت المفتوحة، وعلى الأرصفة والشوارع، لتتشكل هوية رمضانية مميزة وواضحة، فلا تبقى التفاصيل صغيرة أو عابرة، بل تتحول إلى لغة جماعية تحكي كيف يعيش الأردنيون رمضان، وكيف يحافظون على موروث حي يتجدد مع كل عام.





رمضان في الأردن.. طقوس يومية تصنع هوية لا تشبه سواها




رد مع اقتباس