الممثل السوري جمال سليمان يقدّم أداءً استثنائيا في مسلسل "الخروج إلى البئر"(ميتافورا للإنتاج)
على الرغم من أن المسلسل السوري "الخروج إلى البئر" -الذي يُعرض في رمضان 2026-، ينطلق من وقائع حقيقية، فإنه لا يكتفي بإعادة سردها كما هي؛ بل يعيد النص صياغة تلك الوقائع عبر مخيال حكائي يعرف كيف يوازن بين الصرامة الواقعية ومتعة السرد، مقدما قصّة مشوّقة تستند إلى التاريخ القريب من دون أن تتحول إلى خطاب مباشر أو وثيقة تقريرية.
يتخذ العمل -الذي كتبه سامر رضوان وأخرجه محمد لطفي-، من سجن صيدنايا سيء الصيت كمكان تأسيسي للحكاية، ليبني عليه خطا دراميا يخص شخصية سلطان الغالب (جمال سليمان) والطريق التي قادت النظام السوري المخلوع لإخراجه من المعتقل، وإرساله إلى العراق من أجل نسج تفاهمات مع جماعات جهادية. من هذه الفكرة الأساسية يتشعب المسار الدرامي، واضعا المشاهد أمام شبكة من المصالح المتقاطعة والحسابات السياسية المعقدة.
يبلغ التصعيد ذروته في الحلقة العاشرة عندما يتخذ الشيخ هشام الغزّال قرارا صادما بقتل أحد قيادييه، موهما الجميع بأنه الجاسوس المحتمل. المفاجأة لا تكمن في الفعل نفسه، بل في الطريقة التي يكشف بها لاحقا لأبي البراء وأبي فراس أنه تعمّد ذلك لدرء الفتنة قبل أن يذهب بنفسه لتصفية الجاسوس الحقيقي. هنا ينجح "الخروج إلى البئر" في استخدام حيلة سردية ذكية، فيسير مع توقعات المشاهد خطوة بخطوة، ثم يقلب الطاولة فجأة ليكشف أن الحقيقة ما تزال مؤجلة، وأن ما يراه المتلقي ليس سوى تمهيدا ذكيا في سير الحكاية.
تدور أحداث مسلسل "الخروج إلى البئر" في سجن صيدنايا السوري سيء الصيت (ميتافورا للإنتاج)
قصص إنسانية بلا خطاب مباشر
ومن أبرز ما يحسب للمسلسل ابتعاده الواضح عن العواطف المجانية أو الخطاب المباشر، بل يعترف النص بدهاء الخصوم، ويقدم النظام السوري المخلوع -رغم إجرامه وغدره- بوصفه قوة كانت تمتلك أدوات دبلوماسية وأذرعا قادرة على إدارة لعبة معقدة من المصالح والتحالفات. هذه المقاربة تمنح العمل بعدا واقعيا نادرا، لأنها تتجنب التنميط السهل أو الأحكام القطعية.
في المقابل يترك العمل مساحة واسعة للغوص في الجوانب الإنسانية لحياة السجناء السياسيين السوريين. خلف الجدران الثقيلة لسجن صيدنايا تتكشف الانهيارات التي أصابت عائلاتهم وحياتهم الاجتماعية، إضافة إلى خسارات مالية قاسية وإمكانية ضياع حقوقهم بالكامل.
كما يفتح العمل ملفا نادرا في الدراما السورية؛ آلاف المعتقلين الذين وصل إلى عائلاتهم خبر موتهم، قبل أن يتبيّن لاحقا أنهم كانوا أحياء في معتقل ما. هذا الجانب يمنح الحكاية بعدا إنسانيا مؤلما من دون الوقوع في فخ الاستدرار العاطفي.
ومن التفاصيل اللافتة استخدام "الخروج إلى البئر" صوت الرئيس المخلوع بشار الأسد بتقنية مولدة بالذكاء الاصطناعي أو ما يشبهها. التقنية هنا لا تبدو استعراضا شكليا، بل تأتي ضمن السياق الدرامي وفي مكانها الطبيعي داخل الحكاية.
كما يقدم المسلسل معادلا موضوعيا واضحا لشخصية آصف شوكت، صهر بشار الأسد وذراعه الأمنية البارزة، من خلال شخصية يؤديها عبد الحكيم قطيفان، ما يضيف بعدا سياسية إلى شبكة الصراعات التي يبنيها النص.
من كواليس تصوير المسلسل السوري "الخروج إلى البئر" الذي يُعرض في رمضان 2026 (ميتافورا للإنتاج)
أفضل أعمال سامر رضوان
على مستوى الكتابة يبدو هذا العمل من أنضج نصوص سامر رضوان -الذي سبق أن قدّم "ابتسم أيها الجنرال" و"دقيقة صمت" وثلاثية "الولادة من الخاصرة"-، وأكثرها انصرافا إلى تفكيك الكواليس الخلفية للحياة السياسية والاجتماعية، من دون التخلي عن بناء ذروات درامية مشوّقة تحافظ على إيقاع السرد.
غير أن العمل لا يخلو من نقاط ضعف. فاختيار لبنان مكانا للتصوير حدّ من قدرته على استحضار روح سوريا في عام 2008. البيئة الجغرافية التي كان يمكن أن تكون عنصر قوة درامي تحولت هنا إلى نقطة ضعف، إذ تبدو الأمكنة في معظم الأحيان حارات ضيقة وبيوتا مغلقة وطرقات عامة سريعة ومحايدة، وهو ما يضعف البنية المشهدية ويقلل من جمالية الصورة. ولو توفر إنتاج أكثر سخاء يسمح بالتصوير داخل سوريا نفسها، لكان العمل قادرا على تحقيق أثر بصري ودرامي أكثر إقناعا.
أداء جمال سليمان في "الخروج إلى البئر" نال استحسان النقّاد (ميتافورا للإنتاج)
أداءٌ مميّز لطاقم العمل
رغم ذلك يظل الأداء التمثيلي أحد أكثر عناصر المسلسل توهجا، فجمال سليمان يقدم نموذجا لافتا في الاقتصاد التعبيري: هدوء داخلي واضح، وانضباط انفعالي دقيق، وشغل متقن بالعينين يمنح الشخصية عمقها الحقيقي من دون اللجوء إلى المبالغات. هذا التحكم المتواصل في الأداء يجعله أحد أبرز أعمدة العمل.
كما يقدم نضال نجم شخصية جهادي مثقف معتقل بإقناع لافت، رجل يؤمن بقضيته حتى الاستعداد للتضحية بحياته من أجلها. ردّات الفعل الحادة ونظرات العين المدركة منحت الشخصية حضورا قويا رغم محدودية ظهورها.
أما خالد شباط فيصوغ شخصية الشاب المتطرف والمربك داخليا بكثافة واضحة من خلال قسوة في الملامح، وحدة في ردود الفعل، ونبرة صوت عميقة تعكس توترا دائما. لكن الشخصية تكشف وجها مختلفا تماما في لقائه مع والده، حيث يعود فجأة إلى طفل هش يبكي بصدق. مشهد مواجهة فهد (شباط) بوالده (جمال سليمان) يعد من أكثر لحظات العمل تأثيرا.
بدورها تقدم كارمن لبّس تجربة لافتة عبر إتقانها اللهجة السورية واختبارها مساحة جديدة في مسيرتها التمثيلية، فيما يعتمد مصطفى سعد الدين على مبدأ بسيط لكنه فعال: تصديق الشخصية بالكامل، وهو ما جعله مقنعا إلى حد بعيد.
صحيح أن "الخروج إلى البئر" يقع حتى منتصفه في بعض المطبات التي تفرضها الرؤية الإخراجية واعتماد أماكن عامة وحيادية لإخفاء مواقع التصوير، إلا أن هذه العيوب تبقى محدودة أمام نص محكم يبتعد عن العاطفية السهلة ويحلل الوقائع بمبضع جراح مطّلع.
لهذا يبدو "الخروج إلى البئر" حتى الآن بطل الموسم دون منازع، وربما أحد أهم الأعمال التي كتبها سامر رضوان خلال مسيرته الإبداعية.





"الخروج إلى البئر".. حبكة سامر رضوان وبراعة الممثلين تعوضان غياب "البيئة السورية"




رد مع اقتباس
