لو سألتَ عشرة أشخاص في الدنيا ماذا تحبون من نعم الأكل والشراب واللباس والخدمة وغير ذلك من النعم المادية ربما تحصل على عشر إجابات مختلفة فهل في الجنة تتعدّد الرغبات؟ وإذا تعددت ماذا تشتهي من بين كل تلك النعم التي لا تحصى ولا تعد؟
{يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ ۖ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ ۖ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}.
عندما تقرأ في القرآن عن أصناف نعيم الجنة المادي والمعنوي وما جاء في الأحاديث من تفاصيل يصيبك الذهول فمثلًا يقول الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام في وصف الجنة:
"فَلَوْ رَمَيْتَ بِبَصَرِ قَلْبِكَ نَحْوَ مَا يُوصَفُ لَكَ مِنْهَا لَعَزَفَتْ نَفْسُكَ عَنْ بَدَائِعِ مَا أُخْرِجَ إِلَى الدُّنْيَا مِنْ شَهَوَاتِهَا ولَذَّاتِهَا، وزَخَارِفِ مَنَاظِرِهَا، ولَذَهِلَتْ بِالْفِكْرِ فِي اصْطِفَاقِ أَشْجَارٍ غُيِّبَتْ عُرُوقُهَا فِي كُثْبَانِ الْمِسْكِ عَلَى سَوَاحِلِ أَنْهَارِهَا، وفِي تَعْلِيقِ كَبَائِسِ اللُّؤْلُؤِ الرَّطْبِ فِي عَسَالِيجِهَا وأَفْنَانِهَا، وطُلُوعِ تِلْكَ الثِّمَارِ مُخْتَلِفَةً فِي غُلُفِ أَكْمَامِهَا، تُجْنَى مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ فَتَأْتِي عَلَى مُنْيَةِ مُجْتَنِيهَا، ويُطَافُ عَلَى نُزَّالِهَا فِي أَفْنِيَةِ قُصُورِهَا، بِالأَعْسَالِ الْمُصَفَّقَةِ والْخُمُورِ الْمُرَوَّقَةِ.
قَوْمٌ لَمْ تَزَلِ الْكَرَامَةُ تَتَمَادَى بِهِمْ، حَتَّى حَلُّوا دَارَ الْقَرَارِ وأَمِنُوا نُقْلَةَ الأَسْفَارِ، فَلَوْ شَغَلْتَ قَلْبَكَ أَيُّهَا الْمُسْتَمِعُ، بِالْوُصُولِ إِلَى مَا يَهْجُمُ عَلَيْكَ مِنْ تِلْكَ الْمَنَاظِرِ الْمُونِقَةِ، لَزَهِقَتْ نَفْسُكَ شَوْقاً إِلَيْهَا، ولَتَحَمَّلْتَ مِنْ مَجْلِسِي هَذَا، إِلَى مُجَاوَرَةِ أَهْلِ الْقُبُورِ اسْتِعْجَالًا بِهَا، جَعَلَنَا اللَّه وإِيَّاكُمْ مِمَّنْ يَسْعَى بِقَلْبِه، إِلَى مَنَازِلِ الأَبْرَارِ بِرَحْمَتِه".
لم العجب؟ أليس في الدنيا أنماط من الرفاهية تذهل عندما تسمع بها أو تراها كيف إذن بالجنة؟
بساطة تفكيري تقودني لأقول أن أفضل ما أَحصل عليه في الجنة الحياة الدائمة الهادئة الخالية من الهمّ ومشاكل الدنيا. تعال انظر في جملة "مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنفُسُ" بعدما تجرب سنوات الدنيا فلا ترى فيها سوى سنين الطفولة الأولى خالية من الهمّ ثمّ بعد ذلك فخذ حتى تشبع من الضرب ألا تقول كفى همًّا وتعبًا وصداعًا في كل شيء؟ ألا تشتهي الراحة؟
نعيش في الدنيا مثل سمكة صغيرة في بحيرة من التعب الجسدي والروحي، كل طموحنا أن نعيش في سلامة حتى تنتهي الحياة. فإذا جربت كل هذه المتاعب تشتهي أن تحصل على مدة لا متناهية من الراحة؛ لا زيارة طبيب، لا خوف من مرض، لا همّ حوادث ولا خوف من فقر وجوع وعدّ ما قدرت أن تعدّ من نوائب الدنيا!
الدنيا من أولها لآخرها كما يصفها أبو العلاء المعري:
تَعَبُ كُلّها الحَياةُ .. فَما أعْـجَبُ إلاّ مِنْ راغبٍ في ازْديادِ
إنّ حُزْناً في ساعةِ المَوْتِ .. أضْعَافُ سُرُورٍ في ساعَةِ الميلادِ
إذن بعد كل ذلك ألا يلوموني على الغفلة عن النعيم الدائم فقط لأنني اشتهيت النعيمَ الزائف المنقطع؟ هنا يختصر المسافة الإمام علي عليه السلام ويقول: "أَلَا وَإِنِّي لَمْ أَرَ كَالْجَنَّةِ نَامَ طَالِبُهَا وَلَا كَالنَّارِ نَامَ هَارِبُهَا".
فرق مثل ما بين الصباح والمساء في درجات الجنة لكن المهم أن أكون فيها وليس في خارجها. المهمّ أن أُزحزح عن النار بأي مسافة كانت! المهمّ أن ينعم عليّ الله سبحانه وتعالى بوسام الرضى والعافية.





رد مع اقتباس