صالون ثقافي غزة
داخل خيمة مهترئة بمنطقة بشمال قطاع غزة، اجتمع شعراء ومثقفون فلسطينيون على طاولة واحدة، ضمن صالونهم الثقافي الذي توقف قسرا لأكثر من عامين بسبب حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية ضد سكان القطاع الفلسطيني.
يتقاسم الشعراء في هذه الصالونات التي عادت تجمعهم من جديد أبيات الشعر، وما كتبوه حول الإبادة، وما تعرضوا له من أهوال، إذ تتركز كتاباتهم على الجوع، والفقد، وحياة النزوح القاسية.
يجد الشعراء أنفسهم في الصالونات الثقافية، ويشعرون بالحنين عند اللقاء مرة أخرى بعد الحرب، ويبدعون في إلقاء الشعر، كل منهم، كما تابعت "الجزيرة نت" أحدها داخل قطاع غزة.
أمسية شعرية في خيام غزة
تعزيز للانتماء
الشاعر نضال بربخ واحد من الشعراء الذين أعادوا إحياء صالون ثقافي بعد توقفه لعامين بسبب الحرب قسرا، وبفعل النزوح والجوع.
عقد بربخ، كما يوضح لـ"الجزيرة نت"، ومجموعة من زملائه الشعراء، أول صالون ثقافي من جديد داخل خيمة مهترئة، وحمل اسم "نبع الإبداع"؛ بهدف استنهاض الهمم، وتعزيز ثقافة الانتماء للوطن في هذه الظروف على وجه الخصوص.
يحمل الصالون الثقافي رسائل عدة، وفق بربخ، أبرزها أنه جاء في الوقت الذي قام فيه الاحتلال الإسرائيلي باستهداف مكونات الثقافة والمثقفين بشكل عام بهدف قتل وطمس كل معالم الإنسان الفلسطيني.
ورغم ضعف الإمكانيات، يعمل الصالون الثقافي على إفشال مخططات الاحتلال وتوجهاته، والدفع باتجاه استنهاض همم أبناء غزة خاصة، والشعب الفلسطيني عامة، للقيام بواجبهم الوطني في دعم المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي.
بربخ في صالون ثقافي بعد الحرب
عاش بربخ أصعب لحظاته خلال إحدى أمسيات صالونه الثقافي، وأجهش بالبكاء حين قرأ عن أبنائه رامز وناهض، اللذين استشهدا في بداية الحرب على غزة، حيث الأول البالغ من العمر 13 عاما قتله الاحتلال وهو في طريق نزوحه، والثاني أصابته رصاصة قناص إسرائيلي حين حاول الذهاب لإسعاف شقيقه.
وفي إحدى أمسيات الصالون الثقافي كتب نضال عن أبنائه الشهداء:
يا مهجتي قلبي ناهض، رامز
يا مهجتي قلبي وروحي والهوى
سأظل أبكي فقدكم طول المدى
قلبي يفيض مرارة بتوجع
ودموع ليلي حنظل يروي الأسى
سقط البريء يفيض حبا للورى
برصاص صهيون الذي قتل المنى
متجاهلا لون السلام وعرفه
ونقاء طفل بالسريرة والهوى
صالون "نبع الابداع"
تنفيس عن الألم
صالون ثقافي آخر عاد للنشاط الثقافي من جديد في غزة، ويقوده المركز الفلسطيني للثقافة والإبداع، حيث شعر القائم عليه الشاعر مصطفى لقان بالمسؤولية الثقافية والوطنية حين تهدمت البيوت، أن الكلمة يجب أن تبقى واقفة.
عاد لقاء الشعراء في الصالون الثقافي، وبدأت معه عقد أمسيات شعرية في أماكن غير مؤهلة للجلوس أو العيش، ولكن اختارها أهل غزة لإصرارهم على الحياة، وإيصال صوتهم الإبداعي الذي لم يقصف أو يهجر.
الترميم بالكلمة
تعد عودة الصالونات الثقافية في غزة، كما يراها لقان، مساحة للتنفيس عن الألم، ولإعادة ترتيب الفوضى العميقة داخل الإنسان، كما أنها توثق اللحظة التاريخية بصدق إنساني عميق، لتحفظ الرواية من الضياع، خاصة بعد الحرب، إذ إن حاجة الناس تحتاج إلى أصوات تشبههم، تعبر عنها، وتمنحها أملا متجددا.
تفتح الكلمة نافذة للضوء نحو الأمل، إضافة إلى أنها قادرة على احتضان الألم وتحويله إلى معنى مهم، خاصة حين يكتب الإنسان أو يسمع قصيدة تعبر عما بداخله، فيشعر أنه ليس وحده، وهذا بحد ذاته خطوة في طريق التعافي، والحديث للقان.
ظهر تحول جديد في قصائد الشعر التي يلقيها شعراء الصالون الثقافي بعد الحرب، حسب لقان، حيث أصبحت الكتابة أكثر مباشرة وصدقا، وأقل زخرفة وأكثر وجعا، وطغت موضوعات الفقد والحنين والنجاة، لكن في الوقت ذاته ظهرت نبرة تحد وأمل، واللغة باتت أقرب إلى نبض الشارع، والمزاج العام يميل إلى التأمل العميق في معنى الحياة والهوية الفلسطينية.
وكانت أكثر اللحظات تأثيرا التي عاشها لقان في أمسياته الثقافية حين ألقى أحد الشعراء الشباب قصيدة عن فقد أمه تحت الركام، وانتهى بصوت مرتجف قائلا: "سنعود ونبني بالكلمات ما هدم بالحجارة"، وحينها شعر أن الخيمة لم تعد مجرد قماش، بل صارت وطنا صغيرا يحتضن الحلم الكبير.
الشاعر ابن غزة مصطفى لقان
صمود القوافي: أصوات تشق عتمة الإبادة
الشاعرة رحاب كنعان كانت من أبرز الشعراء الذين ألقوا قصائد خلال صالون ثقافي جمعهم في شمال القطاع، وشدت أبياتها أسماع الحاضرين، وهم كثر في هذا الصالون.
كنعان التي فقدت 54 فردًا من أفراد عائلتها في مجزرتي تل الزعتر وصبرا وشاتيلا في لبنان عام 1982، ونجت هي وذهبت إلى غزة، في حديثها لـ"الجزيرة نت" وصفت وجودها في الصالون الثقافي وإلقاءها الشعر من جديد بالقوة التي عادت لها، وعدم استسلامها لعامين من الإبادة الجماعية التي تعرض لها سكان غزة.
قدمت كنعان أبياتًا من الشعر في الصالون الثقافي قالت فيها:
أبي رحلت والركب كبير تركتني بجناح كسير
بماذا أجيب فيض أشواقي وها هي تشرق شمس العيد
فمن يشتري ثوبي الجديد
أفتش بين مسافات الزمن كل ما حولي
سراب كأننا لم نولد وأولد وإخوتي
الشاعرة رحاب كنعان خلال إلقاء قصيدة في صالون ثقافي بشمال قطاع غزة
القصيدة كضرورة وجودية
يرى عضو رابطة الكتاب والأدباء الفلسطينيين ومدير الصالون الأدبي في المنتدى التربوي في قطاع غزة، جهاد العرجا، أن الحرب وما بعدها تشكل اللحظة الأكثر صدقًا للشعر والشعراء، وعودتهم من جديد للالتقاء في صالونات ثقافية وأمسيات شعرية.
ففي هذا التوقيت، حسب حديث العرجا لـ"الجزيرة نت"، يجد النص نفسه، وتتكثف اللغة لتعبر عما يختلج في الصدور، حيث وسط مشاهد الدمار الواسع، وأعداد الشهداء الكبيرة، والجرحى والمعتقلين، تتفجر القصيدة بوصفها شهادة إنسانية وتوثيقًا وجدانيًا للمرحلة.
الشاعر ابن بيئته، يتأثر بما يعيشه من مأساة وإبادة جماعية، فتنعكس التجربة القاسية في صوره ومعجمه ورؤيته. ولم تعد القصيدة ترفًا جماليًا، بل غدت ضرورة وجودية، وصوتًا في وجه المحو، وحتى الشعراء العرب باتوا ينظرون إلى ما يحدث بوصفه تجربة إنسانية كبرى تستحق أن تُروى وتُكتب، والحديث للعرجا.
وفي الصالونات الثقافية مرحلة تحدٍّ شامل، ومواجهة لكل ما فرض من تهجير ونزوح وقتل وجرحى وتدمير، خاصة أن الهدف المعلن من الحرب كان دفع الناس إلى الرحيل، رغم فتح المعابر، غير أن الإرادة الشعبية تمسكت بالبقاء، ومن هنا يصبح الشعر والثقافة أداة مواجهة، ووسيلة لإعلان الثبات، وتجديد العهد بالبقاء في الوطن، كما يوضح مدير الصالون الأدبي في المنتدى التربوي.





لماذا عاد شعراء غزة للكتابة عن الحرب والجوع؟ السر في الخيام المهترئة






رد مع اقتباس