من أهل الدار
تاريخ التسجيل: November-2020
الدولة: بغداد
الجنس: ذكر
المشاركات: 47,724 المواضيع: 13,746
مزاجي: متفائل دائماً
المهنة: موظف حكومي
أكلتي المفضلة: البرياني
موبايلي: غالاكسي
آخر نشاط: منذ ساعة واحدة
من مقعد الحكواتي إلى شاشة التلفزيون.. الجذور التاريخية للشغف بالدراما الرمضانية

ارتبطت السير الشعبية منذ قرون بأجواء شهر رمضان (الفرنسية)
ارتبطت السير الشعبية منذ قرون بأجواء شهر رمضان، إذ وفر طول الليل وتجمعات الشهر فرصة مثالية لازدهار الحكي والسرد الجماعي.
وقد أعاد مسلسل "باب الحارة" إحياء هذه الصورة في الذاكرة المعاصرة من خلال شخصية الحكواتي أبو عادل، الذي كان يجلس في مقهى أبو حاتم في الحارة الدمشقية محاطا بروّاده من أبناء الحارة وهم ينتظرون روايته لبطولات شخصيات مثل الظاهر بيبرس وعنترة بن شداد.
وما قدمته الدراما يعكس تقليدا تاريخيا عرفته مقاهي مدن عربية مثل دمشق والقاهرة وبغداد، حيث كان الناس يجتمعون بعد الإفطار وصلاة التراويح للاستماع إلى الراوي أو الحكواتي أو "القصخون" كما يقال في العراق، وهو يروي حلقات متتابعة من السير والبطولات.
ولم تكن هذه المجالس مجرد وسيلة للتسلية، بل أداة ثقافية لنقل القيم وتعزيز الهوية الشعبية وحفظ الذاكرة الجماعية عبر الأجيال.
لماذا ازدهرت السير الشعبية في رمضان؟
تميزت ليالي رمضان بطول السهر وتكرار التجمعات اليومية، وهو ما جعلها بيئة مثالية لازدهار السرد الشفهي للسير الشعبية.
في هذه الأجواء برز الحكواتي بوصفه محور الأمسية، يروي فصول السيرة ليلة بعد أخرى بأسلوب مشوق يعتمد على الترقب وترك الأحداث معلقة حتى يعود الجمهور في الليلة التالية. ومع الوقت تحولت متابعة هذه الحكايات إلى طقس اجتماعي راسخ يشبه في طبيعته متابعة المسلسلات اليومية في العصر الحديث.
ولم تكن السير مجرد قصص للترفيه، بل حملت قيما ثقافية وإنسانية مثل الشجاعة والوفاء والعدل، واستلهمت شخصيات تاريخية أو أسطورية غذت الخيال الشعبي. كما منحت الأجواء الروحانية لشهر رمضان هذه الحكايات بعدا معنويا إضافيا جعلها أكثر تأثيرا في وجدان المستمعين.
أبرز السير الشعبية في الذاكرة الرمضانية
تعد سيرة الأميرة ذات الهمة من أطول وأشهر السير الشعبية العربية وأكثرها ثراء في التراث السردي، إذ تروي ملحمة بطولات الأميرة الفلسطينية فاطمة بنت مظلوم الكلابي، أو كما عرفت بـ"فاطمة ذات الهمة"، التي برزت قائدة عسكرية شجاعة في مواجهة البيزنطيين خلال الحروب العربية-الرومانية، إلى جانب ابنها البطل عبد الوهاب.
تمتد هذه السيرة في طبعاتها المكتوبة إلى آلاف الصفحات، مما يعكس حجمها الضخم وأهميتها في الأدب الشعبي الذي يمزج بين التاريخ والخيال في بناء الحكاية.
وتتميز بتقديم نموذج نادر لبطلة نسائية محورية في التراث الشعبي العربي، إذ تجمع الأميرة ذات الهمة بين الشجاعة في ميادين القتال والدهاء السياسي في مجالس الحكم والقدرة على القيادة العسكرية الملهمة، وهو ما جعلها من أكثر السير جذبا لجمهور الحكواتي.
كما ساعدت كثرة المغامرات وتشابك الأحداث على تقسيمها إلى حلقات طويلة تروى على امتداد الليالي، خاصة في أمسيات رمضان، حيث ظل الجمهور يتابع أحداثها بشغف ليلة بعد أخرى.
تعد سيرة الظاهر بيبرس من أشهر السير الشعبية التي تمزج بين الوقائع التاريخية والخيال الشعبي، إذ تروي حكاية السلطان المملوكي الظاهر بيبرس البندقداري، الذي ارتبط اسمه بمرحلة حاسمة من التاريخ الإسلامي بعد تصديه للمغول وكسره شوكة الصليبيين.
تحول بيبرس من حاكم تاريخي إلى بطل شعبي تتناقل الجماهير سيرته في المقاهي والأسواق، حتى إن بعض المقاهي اشتهرت بتقديم هذه السيرة وعرفت باسم "الظاهرية".
ومع تطور السرد الشعبي، اتسعت الحكاية لتضيف إلى شخصيته أبعادا أسطورية، فظهرت مغامرات ومواقف درامية تعكس الشجاعة والدهاء السياسي والصراعات المعقدة. وقد جعل هذا المزيج من التاريخ والخيال السيرة مادة ثرية للحكواتية، خاصة في ليالي رمضان حيث كانت تروى في حلقات متتابعة تشد الجمهور ليلة بعد أخرى.
كما انتقلت السيرة عبر الزمن من روايات شفوية طويلة إلى نصوص مكتوبة ضخمة، وهو ما يعكس مكانتها البارزة في التراث الشعبي في مصر وبلاد الشام وفلسطين.
تعد السيرة الهلالية أو سيرة بني هلال، من أهم الملاحم الشعرية الشعبية العربية وأكثرها انتشارا وثراء في التراث الشفهي، إذ تروي بطولات قبيلة بني هلال ورحلتهم الطويلة من نجد في الجزيرة العربية إلى بلاد المغرب في القرن الحادي عشر، وتبرز فيها شخصيات أسطورية مثل أبي زيد الهلالي، بما تحمله من معارك وغزوات ورحلات ممتدة عبر أزمنة ومسافات واسعة.
تميزت السيرة بانتقالها شفويا عبر الأجيال من دون أن تفقد جمالها أو تأثيرها، إذ كان الرواة يجوبون القرى والحارات في مصر والعالم العربي ليلا لإلقاء أبياتها أمام الجمهور بصيغة غنائية مصحوبة بالعزف على الربابة، فتصير الحكاية عرضا يجمع بين الشعر والموسيقى والسرد.
وتزخر بأبعاد الشجاعة والوفاء والحب والصراع، وهو ما جعلها حاضرة في مناسبات اجتماعية عديدة مثل الأفراح والتجمعات الشعبية، كما حظيت بمكانة خاصة في أمسيات رمضان حيث يمتزج الاستماع إلى الحكاية بدفء اللقاءات العائلية.
وقد حظيت هذه الملحمة باعتراف عالمي حين أدرجتها منظمة اليونسكو ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي للإنسانية، تأكيدا لقيمتها الثقافية والإنسانية الفريدة.
من الحكواتي إلى الشاشة
مع ظهور الإذاعة ثم التلفزيون الذي أعاد رسم خريطة الترفيه العربي، انتقلت روح السير الشعبية إلى الدراما الرمضانية الحديثة بأسلوب جديد وأدوات معاصرة. فكرة الحلقة اليومية المتتابعة التي تنتهي عند ذروة الحدث وتترك المشاهد معلقا هي امتداد مباشر لتقنية الحكواتي في سرد السير، لذلك ظل رمضان حتى اليوم موسما رئيسيا للأعمال الدرامية الكبرى القائمة على التشويق والتتابع اليومي.
وقد قدمت الدراما العربية عددا من الأعمال المستوحاة من هذا الموروث، مثل المسلسل السوري "الزير سالم" الذي استعاد سيرة كليب وجساس، والمسلسل المصري "علي الزيبق" المستوحى من أجواء الحارة المصرية في القرون الوسطى، فضلا عن مسلسل "أبو زيد الهلالي" الذي استلهم من السيرة الهلالية وقدم في نسختين مصرية وسورية. وفي كل حلقة من هذه الأعمال صدى واضح لصوت الحكواتي القديم.
السير حية في الوجدان الرمضاني
رغم تراجع حضور الحكواتي التقليدي، تظل السير الشعبية مثل "ذات الهمة" و"الظاهر بيبرس" حية في الذاكرة الجماعية، إذ تقدم نماذج بطولية ملهمة تمزج بين الشجاعة والفروسية والدهاء وتعكس منظومة من القيم الاجتماعية والأخلاقية.
كما تمزج هذه السير التاريخ بالخيال في قالب سردي جاذب يتيح مساحة واسعة للإبداع والتأويل، وترتبط بطقوس السهر الرمضاني التي حولت الليالي إلى أوقات للتعلم والمتعة معا.
وفوق ذلك، شكلت هذه السير الأساس السردي لكثير من الدراما العربية الحديثة، حيث تكاملت تقنيات الإنتاج المعاصر مع السرد الشفهي القديم لتستمر الحكاية متجددة من دون أن تفقد جوهرها.
مثلت السير الشعبية قلبا نابضا لليالي رمضان في الماضي، جمعت بين قوة السرد وعمق القيم والهوية الجماعية. من صوت الحكواتي في المقاهي إلى شاشات التلفزيون، استمرت الحكاية العربية في التطور مع الاحتفاظ بروحها الأولى.