الملصق الدعائي لفيلم "صوت هند رجب"
تداخلت خيوط السياسة والسينما والقانون الدولي في قضية واحدة هزت الضمير العالمي، مع عودة اسم الطفلة الفلسطينية هند رجب إلى واجهة النقاش في واشنطن، بالتزامن مع وصول قصتها إلى أرقى المنصات السينمائية في هوليوود.
لم يكن هذا التقاطع وليد الصدفة، بل ثمرة جهود متراكمة لتوثيق جريمة قتل وقعت في حي تل الهوا بمدينة غزة أوائل عام 2024، حين كانت الطفلة ذات الخمس سنوات عالقة داخل سيارة عائلتها تحت وابل من النيران المباشرة. وتحول النداء الهاتفي المستغيث الذي حبس أنفاس العالم إلى مشروع قانون في الكونغرس الأمريكي، وإلى فيلم وثائقي درامي ينافس على جوائز الأوسكار، ليصبح "صوت هند رجب" حاجزا أمام النسيان ومحاولات تغييب المساءلة.
مشروع قانون باسم هند رجب
في واشنطن، تقدم عدد من أعضاء الكونغرس الديمقراطيين بمشروع قانون يحمل اسم "قانون العدالة لهند رجب" (Justice for Hind Rajab Act)، في محاولة لكسر الصمت الرسمي حول ملابسات الجريمة.
وينص المشروع على مطالبة وزارة الخارجية الأمريكية بإعداد تقرير يرفع إلى الكونغرس حول الظروف التي أدت إلى مقتل هند رجب، وتقييم ما إذا كانت أسلحة أمريكية قد استخدمت في الهجوم، وما إذا كانت الواقعة تمثل انتهاكا للقانون الدولي الإنساني أو لقوانين الحرب الأمريكية، وفق نص المشروع المنشور على موقع مكتب السيناتور بيتر ويلش.
وتعود القضية إلى 29 يناير/كانون الثاني 2024، عندما تعرضت سيارة تقل عائلة الطفلة هند رجب لإطلاق نار أثناء محاولة العائلة الفرار من القتال في حي تل الهوا. وأسفر الهجوم عن مقتل عدد من أفراد العائلة، بينما بقيت هند على قيد الحياة لبعض الوقت وتمكنت من الاتصال بمسعفين من الهلال الأحمر الفلسطيني طلبت فيها المساعدة قبل أن ينقطع الاتصال.
انتشرت تسجيلات المكالمة على نطاق واسع في وسائل الإعلام الدولية، وأصبحت رمزا لمعاناة المدنيين في الحرب، بحسب تقارير إعلامية غربية تناولت تأثير القصة على الرأي العام.
الطفلة الفلسطينية هند رجب (مواقع التواصل الاجتماعي)
قوة ناعمة في مواجهة الإفلات من العقاب
بالتوازي مع الحراك التشريعي، برز الفيلم الوثائقي الدرامي "صوت هند رجب" (The Voice of Hind Rajab) للمخرجة التونسية كوثر بن هنية كقوة ناعمة مؤثرة، أعادت تصوير مأساة تلك الليلة عبر دمج التسجيلات الصوتية الحقيقية مع إعادة بناء درامية دقيقة.
الفيلم، الذي وصل إلى القائمة القصيرة لفئة "أفضل فيلم وثائقي" ونال ترشيحا رسميا لجائزة "أفضل فيلم دولي" في أوسكار 2026، لا يقدم كعمل فني فحسب، بل كوثيقة بصرية تدخل المشاهد مباشرة إلى قلب غرفة عمليات الهلال الأحمر الفلسطيني.
ومنذ عرضه الأول في مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي، حيث حصد الجائزة الكبرى للجنة التحكيم وتلقى تصفيقا حارا، نجح الفيلم في تحويل الجريمة من خبر عابر إلى قضية إنسانية تطارد صناع القرار. كما استفاد من دعم مجموعة من الأسماء العالمية التي انضمت إليه كمنتجين تنفيذيين، ممن رأوا في القصة جوهر المأساة الإنسانية التي لا يجوز أن تدفن تحت الركام.
عندما يلتقي نص القانون بصوت الضحية
تتقاطع اليوم مسارات ثلاثة: مكالمة طفلة عالقة داخل سيارة محاصرة بالنار، وفيلم مرشح للأوسكار، ومشروع قانون مطروح على طاولة الكونغرس. هذا التلاقي بين المسار التشريعي في واشنطن والمسار الفني في هوليوود يخلق حالة نادرة من الضغط الأخلاقي والسياسي، حيث توثق الجريمة بلسان الضحية، وتعرض أمام أعين النقاد، وتناقش في قاعات البرلمانات.
وبعيدا عن مآل مشروع القانون أو حظوظ الفيلم في جوائز الأوسكار، تبدو الحقيقة الأهم أن قصة هند رجب تجاوزت محاولات الطمس، فصوت الطفلة الذي انقطع في مكالمة تحت أنقاض سيارة محترقة، يتردد صداه اليوم في قاعات التشريع ومنصات التتويج العالمية.





"صوت هند رجب" يقتحم الكونغرس بعد ترشيحه للأوسكار


رد مع اقتباس