فوانيس رمضان في دمشق صناعة يدوية تعود جذورها إلى عهد المماليك في القرن الثالث عشر الميلادي
على بعد مئة متر أو أكثر من زقاق دمشقي في حي العمارة داخل حدود السور القديم لدمشق، يسمع العابر أصداء طرق مطارق لا يتوقف، طرقا عجولا متماثلا يتردد بداية كضوضاء لا نهاية لها، ولكن مع الاقتراب منه والاعتياد عليه، يصبح الطرق أقرب إلى إيقاع موسيقي يعكس في تكوينه هوية المكان وسكانه في عراقتهم وجديتهم في العمل وشغفهم بالحياة.
ومن ذلك الزقاق العتيق المحاذي لشارع الملك فيصل، ولا سيما خلال شهر رمضان الكريم، تخرج إلى العالم إبداعات حرفية متعددة الأشكال والتصاميم والأحجام تسمى "الفوانيس الرمضانية"، فتزين بها الأسواق والأزقة والمحال والمطاعم والمنازل احتفالا بقدوم الشهر الفضيل.


الفانوس الدمشقي قطعة فنية يدوية تظهر فيها بصمة الحرفي في أدق التفاصيل الزخرفية

واحترف دمشقيون "صناعة الفوانيس" مع بداية عهد المماليك في القرن الـ13 الميلادي، وكانت للفوانيس في حينها وظيفة حيوية، إذ كانت تعلق في المنازل والشوارع للإنارة ليلا.
ولكن بمرور الزمن تراجع دور فانوس الإنارة، وتطورت الحرفة فنيا لتواكب تحولها إلى مجال الزينة في رمضان، فأدخلت فنون الحفر وتنزيل المينا والتقزيز والتخطيط إليها، وتفنن حرفيوها في تشكيل قطعهم لتلاءم جميع الأذواق.

إقبال ملحوظ وتميز

وتعرضت حرفة "صناعة الفوانيس الرمضانية"، كسائر الحرف والصناعات السورية، إلى رضة قاسية خلال سنوات الحرب، مما خفض الإقبال عليها وأدى إلى ركودها.


حي العمارة داخل سور دمشق القديم يعد أحد أبرز مراكز صناعة الفوانيس الرمضانية

غير أن هذه الحرفة العريقة تحاول اليوم أن تستعيد بعضا من ألقها، فيشير تاجر النحاسيات في سوق النحاسين بدمشق، مهند كعدان، إلى أن الموسم الحالي شهد إقبالا ملحوظا مقارنة ببعض المواسم السابقة، سواء من حيث حجم الطلبيات أو تنوعها.
ويعزو كعدان هذا الإقبال إلى التحسن الجزئي في حركة الأسواق منذ سقوط النظام السابق، وعودة اللاجئين والنازحين، وانفتاح سوريا مجددا على الدول العربية وأسواقها.


سوق النحاسين في دمشق يحتضن عددا من الحرفيين المتخصصين في تشكيل الفوانيس النحاسية

ويوضح التاجر الدمشقي أن حركة الطلب على الفوانيس الرمضانية تبدأ مبكرا، إذ تنشط عادة قبل حلول رمضان بنحو شهرين، وتستمر بوتيرة متفاوتة طوال أيام الشهر الفضيل.
وحول أسواق الفوانيس، يؤكد كعدان أن القسم الأكبر من الإنتاج يوجه إلى الأسواق الخارجية عبر التصدير، ولا سيما إلى دول الخليج العربي وعدد من الدول الأوروبية، وذلك عبر مستثمرين ورجال أعمال سوريين يقيمون هناك، بينما هناك تحسن أيضا في الطلب بالسوق المحلية، ولكن يبقى اعتماد الحرفة على الطلب الخارجي كمحرك أساسي لها.


النقوش المستوحاة من العمارة الإسلامية تمنح الفانوس طابعا دمشقيا مميزا

وفيما يتعلق بخصوصية الفانوس الرمضاني السوري، يشير كعدان إلى أنه يتميز بكونه قطعة فنية يدوية الصنع، حيث تظهر بصمة الحرفي في أدق تفاصيله، من التفريغ الزخرفي الدقيق إلى النقوش المتقنة التي تنفذ بعناية، بما يمنحه طابعا فنيا خاصا ويضفي عليه روحا تميزه عن المنتجات الصناعية الجاهزة.

فنون حرفية وطابع خاص

ويقول الحاج أبو إبراهيم (62 عاما)، وهو حرفي في سوق النحاسين بدمشق، إن ما يميز الفانوس السوري عن غيره أنه "خليط من الفنون الحرفية التي تطورت كل منها على حدة لقرون، ثم دمجت في الفانوس بعدما اتخذ طابع الزينة الرمضانية".


الطلب الخارجي يشكّل المحرك الأساسي لاستمرار حرفة صناعة الفوانيس في سوريا

ويوضح الحرفي الدمشقي في حديث للجزيرة نت، أن تنوع الفوانيس الرمضانية الدمشقية يعد أحد أبرز عناصر تميزها، سواء من حيث الشكل أو الحجم أو الزخرفة.
ويبين أن بعض النماذج تنفذ بزخارف تعتمد على الخط العربي، إذ تنقش عبارات رمضانية تقليدية مثل "رمضان كريم" و"أهلا يا شهر الخير" بخطوط ثلث أو ديواني، وتفرغ الحروف بعناية في جسم النحاس بحيث يتسرب الضوء من خلالها ليعكس جمال الحرف.
ويشير إلى أن هناك تصاميم أخرى تزين بنقوش مستوحاة من معالم العمارة الإسلامية، كقباب الجوامع ومآذنها وأقواسها، حيث تستعاد هذه العناصر بأسلوب زخرفي دقيق يمنح الفانوس طابعا دمشقيا.


الأحجام الكبيرة من الفوانيس تصمم لتعليقها في الأسقف العالية للمنازل والفنادق والمطاعم

أما من حيث الأحجام، فيلفت الحرفي السوري إلى وجود فوانيس ضخمة تنفذ خصيصا لتعليقها في الأسقف العالية للمنازل أو في صالات الاستقبال والفنادق والمطاعم، وقد يصل ارتفاع بعضها إلى أكثر من متر، وتحتاج إلى هياكل معدنية متينة لتحمل وزنها.
وفي المقابل، تتوافر أحجام متوسطة وصغيرة تعلق على الجدران أو توضع في المداخل والشرفات، وهي الأكثر طلبا للاستخدام المنزلي، إضافة إلى فوانيس صغيرة تستخدم قطع زينة توضع على الطاولات أو تعلق في زوايا الغرف.
تعاف جزئي
ويشرح الحرفي الدمشقي زاهر فتيحي، العامل في مجال صناعة النحاسيات، أن صناعة الفانوس تمر بعدة مراحل عادة، فتبدأ بقص صفائح النحاس وثنيها وتشكيلها، ثم نقش الزخارف عليها وتفريغ الرسومات، يلي ذلك عملية النحت والتجميع ولحم القطع بالقصدير، وتركيب الزجاج الملون أو الشفاف داخل الهيكل، وصولا إلى تثبيت الإضاءة الداخلية ليغدو الفانوس جاهزا للعرض.


عملية صناعة الفانوس تمر بمراحل قص النحاس وثنيه ونقشه ثم تجميعه وتركيب الزجاج والإضاءة

وحول الإقبال هذا العام على طلب الفوانيس، يؤكد فتيحي أن ثمة فرقا بين الموسم الرمضاني الماضي والموسم الحالي، إذ لاحظ هذا العام ارتفاعا في مستوى الإقبال المحلي على الفوانيس.
ويرى فتيحي أن ذلك يعود إلى تنامي مظاهر الاحتفال لدى السوريين، مدفوعة بتحسن نسبي في الظروف المعيشية وتزايد الآمال المرتبطة بالتعافي الاقتصادي.
ويشار إلى أن التحسن الملحوظ في واقع التيار الكهربائي منذ منتصف العام الجاري أسهم في زيادة الطاقة الإنتاجية وخفض جزء من التكاليف التشغيلية. ومع ذلك، ما تزال الحرفة تواجه تحديات متعددة، من أبرزها منافسة البضائع الصينية منخفضة السعر، وارتفاع أسعار المواد الخام، فضلا عن تراجع أعداد الكوادر الحرفية الشابة نتيجة الهجرة خلال سنوات الحرب والأزمة الاقتصادية.