غلاف ديوان "كأن تختبئ من المرآة"
يشكّل ديوان "كأن تختبئ من المرآة أمامها" للشاعر الأردني مروان البطوش محطة شعرية جوهرية في مسار صاحبه الذي امتد على مدى 14 عاما (2011-2025)، كما يشير الديوان نفسه.
هذا الامتداد الزمني مفتاح لفهم المشروع الشعري برمته، فهو لا يكتب القصيدة بوصفها حدثا عابرا، وإنما بوصفها تراكما وجوديا، إنها شهادة على زمن عاشه الشاعر بكامل انكساراته.
ينتمي البطوش إلى جيل شعري أردني شاب عاصر تحولات سياسية واجتماعية عميقة في المنطقة العربية، لكنّ ديوانه لا يشتبك مباشرة مع السياسي أو الجماعي، بل يتموضع في منطقة أكثر خصوصية وحميمية؛ إنه قابع في الداخل الفردي المأزوم والعائلة المتصدعة، والعلاقات الفاشلة وكذلك الجسد المتعب والقلب المثقوب بالخيبات الصغيرة المتراكمة.
هذا شعر يُكتب من "الهامش" بكل ما تحمله الكلمة من دلالة، فنحن نرافق الهامش الجغرافي (الجنوب الأردني)، والهامش الطبقي (الفقر، الحاجة)، وأخيرا الهامش الوجودي أي الشعور بالعجز عن المشاركة في الحياة بفاعلية.
البنية الشعرية والتنظيم
يتكوّن الديوان -الصادر عن دار مرفأ في بيروت– من أربعة أقسام رئيسية، أبرزها وأكثرها تماسكا هو القسم الأخير المعنون بـ"ندبات"، والذي يتألف من 85 شذرة مرقمة. هذا التقسيم ليس اعتباطيا؛ فهو يعكس رؤية بنائية واعية، فالقصائد الأولى تمثّل محاولات متفرقة لمواجهة العالم، بينما "ندبات" تمثّل التكثيف الأقصى، حيث تتحوّل القصيدة إلى ومضات شعرية، كلّ منها ندبة لا تندمل، وأثر دائم لجرح عميق.
الشكل المهيمن هو قصيدة النثر، وهي عند البطوش ليست قصيدة نثر "عالية" أو متكلفة، بل نثر سهل، قريب من اليومي، يُحاكي نبرة الاعتراف الشخصي أكثر مما يحاكي الخطابة الشعرية. فالجمل قصيرة مقتضبة، وغالبا ما تنتهي بصدمة أو مفارقة مريرة. وهذا الاختزال ليس عجزا عن الإطالة، لكنه اختيار جمالي، فالشاعر يؤمن بأن الألم الحقيقي لا يُقال إلا مختصرا، لأن الإطالة تُضعف الصدمة.
الشاعر مروان البطوش (صفحته الشخصية على فيسبوك)
أكوي ملابسي من الداخل
وأضحك على النكات بيني وبين نفسي
وأبكي دائما..
وإذا سُئلت: ما اسمك؟!
أجيب: أنا الذي لا يستطيع أن يحب
إلا من طرف واحد.
الاعتراف من موقع الضحية
نحن نمشي طوال الديوان مع مروان نفسه، فالصوت السائد هو ضمير المتكلم، لكنه متكلم منكسر، لا يدّعي الحكمة أو البطولة. إنه يعترف بخجله، وبجبنه، وبفشله، وبعجزه. في قصيدة "أنا الغلط" يقول: "لم يكن حزنا / كنت أنا الغلط". هذا الاعتراف ليس استعراضا بلاغيا أو تواضعا زيفا، إنه جوهر المشروع الشعري، أي تحويل الذات إلى موضوع للفحص القاسي، دون رحمة أو تجميل.
لكن هذا الصوت ليس رتيبا، فأحيانا يتحوّل إلى خطاب ساخر موجّه للوطن مثل قصيدة "شكرا"، أو إلى حوار داخلي مع الله كما في نص "يا رب"، أو إلى مناجاة للأم والأب المتكررة. هذا التعدّد في المخاطَب يعكس حيرة الذات التي لا تعرف إلى من تشكو: إلى الله؟ إلى الأهل؟ إلى نفسها؟ لكنها في النهاية، تشكو إلى القصيدة نفسها، التي تصبح المتلقي الوحيد الموثوق.
العائلة والشقاء المقدس والوطن
يرتكز ديوان البطوش على ثيمات كبرى تتشابك لتشكل وعيه الشعري، وفي مقدمتها تبرز الأسرة بوصفها المحور الأعمق والأكثر إيلاما. ولا يحضر الأب والأم هنا في إطار الرمزية المثالية، بل كشخصيات مأساوية محاصرة بوطأة الواقع؛ فالأب يظهر كعامل منهك يذرف "العرق المقدس" من أجل تفاصيل صغيرة كدراجة هوائية لابنه، لكنه في الوقت ذاته يجسد الانكسار البشري في تخبطه بين مرارة العيش والهروب.
أما الأم، فتتجلى بوصفها صورة للحنان العاجز، تضحي بآخر ما تملك -خاتم عرسها- لتسد رمق أطفالها. هذه الصور ليست "رومانسية" بالمعنى التقليدي، وإنما هي واقعية فجة ونازفة، تتلخص في مشهدية سينمائية قاسية حين يقول: "كان أبي ينام في ليالي الشتاء على البلاط / لكي يدفئنا بسعاله"، حيث يتحول المرض والألم إلى وسيلة التدفئة الوحيدة المتاحة.
وتأتي ثيمة الحب في المرتبة الثانية لتعزز هذا الشعور بالخيبة، فهو حب موسوم بالفشل أو التأخر أو الاستحالة، حيث الحبيبات في قصائد البطوش لسن شريكات حياة، بل هنَّ غائبات، أو متزوجات من آخرين، أو مجرد أخيلة في ذاكرة مثقوبة.
الشاعر مروان البطوش(صفحته الشخصية على فيسبوك)
ويصل هذا العبث ذروته في قصيدته "كما اتفقنا"، حيث يصور مشهدا سرياليا مشروخا للعلاقة؛ فالحبيبة تنجب من غيره طفلة تشبهه، بينما يغرق هو في طقوس الوحدة والاشتهاء المتخيل، في مفارقة صادمة توحي بأن "الحب" يخدع نفسه ليصدق أن تلك الطفلة ابنته. هذا التواصل المشوه يعكس رؤية البطوش للعالم ككل؛ حيث يغدو اللقاء الحقيقي مستحيلا، ويصبح الحب مجرد وسيلة أخرى لتأكيد العزلة والانفصام.
أما الوطن، فهو حاضر في ثيمات البطوش، لكن بسخرية مريرة. في قصيدة "شكرا" يخاطب الوطن:
بينما تمسح على رأس الغريب،
يا وطني الحبيب،
ارفع قدمك قليلا،
قليلا عن صدري.
الوطن هنا يخرج عن صورته التقليدية بوصفها مكان الانتماء، فيكون مصدر الإذلال والاختناق. لكن الشاعر لا يدّعي البطولة في مواجهته؛ وإنما يكتفي بطلب "شهيق عميق" ليقول "شكرا". إنها سخرية تخفي ألما عميقا.
الموت، أخيرا، ليس نهاية مهيبة بل حقيقة يومية. فقصيدة "وحدها" تصوّر موت الابن، وردود فعل العائلة: الأصدقاء يقلقون من ترك العمل بلا جدوى، الحبيبة تتساءل كيف ستحب مرة أخرى، الإخوة يقلقون كيف يخبرون الأم، الأب يسأل من سيحمل نعشه، "وحدها أمي ستقول: متى سيعود؟". هذا المشهد يكثّف نظرة البطوش للموت، إنه حدث عملي وبيروقراطي، ولا مكان فيه للمهابة أو التأمل الفلسفي. وهذه سخرية مرّة لا حدود لها.
التقنيات الشعرية.. البساطة الخادعة
تتسم لغة البطوش بما يمكن تسميته "البساطة الخادعة"؛ فهي لغة تقترب من نبض الشارع والمحكية اليومية دون أن تسقط في العامية، لكنها بساطة مفخخة بدقة متناهية في التوظيف. يعتمد الشاعر تقنية التكرار الهوسي لعبارات وجدانية مثل "يا رب"، "أمي"، و"كنت أبكي"، مما يخلق إيقاعا تراكميا يشبه "الوسواس القهري"، حيث يلح الشاعر على الفكرة حتى تتحول من مجرد كلمة إلى حالة شعورية ضاغطة وملازمة للقارئ.
ويبرع الشاعر في توظيف المفارقة الحزينة التي تولد شعورا بالكارثة من رحم مواقف عادية جدا. ففي قصيدة "بائع متجول"، تتحول رؤية المناديل الورقية في يد البائع إلى محفز لاندفاع الدموع، في مفارقة درامية تختزل عجز "الرجل" الذي يُفترض ألا يبكي، أمام رمزية المسح والوداع التي تحملها تلك المناديل.
كما يستبدل الشاعر الاستعارات "البلاغية العالية" باستعارات مستمدة من صميم الحياة اليومية؛ ففي قصيدة "إبرة وخيط"، تتحول كف اليد إلى مساحة للرسم الجسدي، حيث يطرز عليها بيتا من غرفتين ثم يمحوه ضاحكا، في تجسيد بصري مذهل لهشاشة الأحلام وسهولة تبددها في عالم البطوش.
وتعتبر النهايات الصادمة علامة فارقة في بناء قصائد الديوان، حيث يبرع الشاعر في استخدام الجملة القصيرة الأخيرة لقلب مسار القصيدة بالكامل. ففي قصيدة "أخاف"، يبدأ الشاعر ببناء سلسلة من المخاوف الشخصية، ليفاجئ القارئ في الختام بجملة تزلزل التوقعات: "أنا أخاف.. أخاف من الآخرين عليّ". هنا، تتحول الضحية المفترضة إلى مصدر خطر محتمل، وينقلب المعنى من الخوف "على" الذات إلى الخوف "من" الذات، مما يترك القارئ في مواجهة مفتوحة مع تساؤلات الوجود والهوية.
الأواني
التي تغسلينها الآن
من بقايا طعام رجل غريب يُدعى زوجك
كانت دعوتي التي رفضتها للعشاء.
والماء البارد
الذي أفقدكِ الشعور بأصابعك،
كان كرة الثلج التي ألقيت بها إليك
فلم تلتقطيها.
الاعتراف وشعرية الهامش
يتموضع الديوان ضمن سياق ثقافي واجتماعي محدّد، وهو الأردن ما بعد الربيع العربي، حيث تضخمت الأزمات الاقتصادية، وتفاقم الشعور بالإحباط لدى جيل كامل. لكن البطوش لا يكتب قصائد احتجاج مباشرة؛ إلا أنه يصوّر الأثر الداخلي لهذه الأزمات، فنحن نلمس الفقر الذي يُحوّل الأب إلى ظل، والبطالة التي تُحوّل الشاب إلى عاطل عن الحياة نفسها، والهجرة الداخلية (من الجنوب إلى العاصمة) التي تُشعر الفرد بالاغتراب المضاعف.
ويمكن القول إن الديوان ينتمي أيضا إلى تيار "شعر الاعتراف". لكن اعتراف البطوش أكثر قسوة وتعرية، وأقل اهتماما بالبعد الجماعي. إنه يكتب من موقع "الهامش الشخصي" لا الهامش الجمعي، والشاعر في تجربته هذه يكتب بنفَس الومضة، لا القصيدة الطويلة. وهو يروم الإدهاش دائما في قفلة القصيدة.
وقد نجد تساوقا للديوان مع تجارب شعرية عربية وعالمية وخصوصا في واقعيته القاسية وتصويره للفقر، أو في اختزاليته وتركيزه على التفاصيل الصغيرة المدمرة، لكن البطوش يحتفظ بخصوصيته العربية، فتحضر الأسرة واللغة والسياق الاجتماعي، وهذه كلها تُعيد تشكيل هذه التأثيرات ضمن إطار محلي خاص.
ولعل ما يجعل هذا الديوان مميزا هو صدقه الشرس، فالشاعر لا يجمّل ولا يتكلّف ولا يدّعي الحكمة أو البطولة. إنه يكتب من موقع الضعف بكل صراحة، وهذا الضعف يتحوّل إلى قوة شعرية. ويميزه أيضا قدرته على تحويل التفاصيل الصغيرة (منديل، سجادة، قطة، سكين مطبخ) إلى رموز وجودية. كما أن السخرية الحزينة تخترق الديوان وهي لا تُضحك بل تُشعر القارئ بالألم المشترك.
الإضافة النوعية للديوان هي ترسيخ "شعرية الهامش"، فالشاعر هنا يتصرف بأن الشعر لا يجب أن يكون "عظيما" أو "ملحميا" ليكون مهما، بل يمكن أن يُكتب من الزاوية، من الغرفة الصغيرة، من الجوع، من العطالة، ومع ذلك يكون عميقا ومؤثرا.
المفردة الشعرية.. اقتصاد اللغة وحدّة الأشياء
يكتب البطوش بيدٍ تجرّب أن تكون يد نجّار أكثر منها يد شاعر؛ فهو لا يزخرف، بل ينحت.
والملاحظ أن مفرداته مادية، ملموسة (الحنفية، المروحة، القطة، المطبخ، العرق، الدراجة الهوائية، المرايا)، وهذه المفردات تنقل القصيدة من فضاء الغيب إلى المسّ الحسي اليومي، حيث يتحوّل العادي إلى شعر عبر الوعي بالهشاشة.
إن المفردة في ديوانه لا تُختار لجمالها، بل لصدق نبرتها. إنها لغة متقشّفة، لا تبتكر الصور بقدر ما تُعرّيها من بريقها البلاغي. وهنا تكمن خصوصية التجربة، أي جمال الندبة لا الجرح، وجمال الشيء المستعمل لا المصقول.
وتمتاز لغة البطوش بأنها مخلّصة من الزخرف، وهي تتقشّف حتى حدود القسوة، فلا استعارات فخمة، ولا موسيقى خارجية، بل إيقاع داخلي منسوج من التكرار والتوازي والارتباك المقصود. وهو لا يكتب الجملة الشعرية لتُدهش، بل لتُجرّح. كما أنه يتجنّب الخطابة، ويستبدلها بنَفَس روائي داخلي يجعل القصيدة أقرب إلى حكاية مكثّفة أو إلى مشهد سينمائي يتنفس بالضوء والسكوت.
إن اللغة هنا تشتغل ضد الشعر المألوف، وتستمد طاقتها من اللايقين، لذلك تتعدد النبرات في الديوان، فثمة نبرة ساخرة في قصيدة "أنا كاذب"، وهناك نبرة اعتراف ديني في "سيعيننا الله"، كما نجد نبرة وجدانية وجودية في "كأن تختبئ من المرآة أمامها"، وكأن الشاعر يعيش كل نبرة كأنها إمكانية للنجاة من اللغة نفسها.
كما تقوم بنية الديوان على التقطيع والتكثيف، كأن القصائد شظايا مرآة انكسرت ولم يحاول الشاعر جمعها، فكل نصّ يقف عند حافة الفكرة دون أن يُكملها. فالتوقّف، أو التعليق، أو النقاط الثلاث (…) التي تتكرر في نصوصه، هي طريقة في مقاومة الإغلاق والمعنى الجاهز.
وبهذا يبتكر البطوش إيقاعه الخاص، إنه إيقاع الاختناق الجميل.
ارفعْ قدمك قليلا،
يا وطني الحبيب،
عن صدري…
لا أفكّر في الهرب،
لكنّني أحتاج شهيقا عميقا لأقول: شكرا.
ديوان الاختباء والانكشاف
ختاما يمكن القول إن استراتيجية العنوان "كأن تختبئ من المرآة أمامها" هي تعبير عن جرح وجودي، فهذا التعبير نفسه لا يخاطب مرآةً واقعية، بل يخاطب الوعي المأزوم حين يواجه الشاعر ذاته في انعكاسها. إنه انكشاف الحقيقة في الصورة، وكأنّ الشاعر يدرك أن الشِعر في زمنٍ تحطّمت فيه المرايا الكبرى (الهوية، الحب، الوطن، الإيمان) لم يعد وعدا بالخلاص، بل تمرينا يوميا على التعرّي الداخلي.
المرآة هنا ليست كناية عن الآخر، بل هي الذات التي ترى نفسها غريبة، إنها تجسيدٌ لـ "الوعي بالهشاشة" وفق تعبير الفيلسوف الفرنسي بول ريكور. ولهذا يتحوّل العنوان إلى مفتاح يعبّر عن جوهر التجربة، أي الإنسان حين يرى نفسه من الخارج، لأن الداخل أصبح لا يطاق.
في النهاية، "كأن تختبئ من المرآة أمامها" هو ديوان عن الاختباء، إذ يختبئ الشاعر من العالم ومن الذات، ومن الحقيقة المؤلمة. لكنه وللمفارقة، يفعل ذلك بالكشف التام، بتعرية الذات بلا رحمة. وهذه المفارقة هي جوهر الشعر نفسه، أي أن تختبئ بالكشف، أن تصمت بالكلام، وأن تموت بالكتابة.





"كأن تختبئ من المرآة أمامها".. شعرية الهامش وجماليّات الانكسار



رد مع اقتباس