صورة لم تنشر من قبل لحجر كهرمان من عصر الإيوسين عمره حوالي 30-50 مليون سنة (خوسيه دي لا فوينتي)
في دراسة حديثة نشرت في مجلة "فرونتيرز إن إيكولوجي آند إيفولوشن" (Frontiers in Ecology and Evolution)، قام فريق من الباحثين بفحص عينات أحفورية تحتوي على النمل وكائنات حية متعددة محفوظة في الكهرمان الأحفوري في العصر الطباشيري منذ عشرات الملايين من السنين.
تعكس هذه العينات وجود علاقات محتملة بين النمل والكائنات الحية الأخرى التي عاشت معها في نفس البيئة، كالتكافل والتعايش والتطفل.
وفي تصريح خاص للجزيرة نت، يقول الدكتور خوسيه دي لافوينتي من معهد أبحاث الصيد والحياة البرية في إسبانيا، والمؤلف الرئيسي للدراسة، إن الكائنات الأحفورية تُوجد في الكهرمان والحجر الجيري، ولا تقتصر أهميتها على العلوم فحسب، بل تمتد لتشمل الفنون والتعليم والتواصل.
صورة لم تنشر من قبل لنملة محفوظة في كهرمان بحر البلطيق في ليتوانيا (خوسيه دي لا فوينتي)
كهرمان خاص جدا
وينشأ الكهرمان الأحفوري من راتنج التربين اللزج الذي تفرزه الأشجار الصنوبرية، حيث تُحاصر فيه كائنات حية وبقاياها، ومعظم هذه الكائنات من المفصليات، بالإضافة إلى النباتات والرخويات والكائنات المائية والفقاريات والكائنات الدقيقة البيئية، وذلك قبل أن يتحول هذا الراتنج في الماء إلى الكوبال.
ثم يحدث تحجر للكهرمان عبر ملايين السنين بفعل الضغط والحرارة والأكسدة وإزالة الزيوت العطرية، لينتج الكهرمان الصلب والمستقر الذي يحتوي على شوائب.
وقام الباحثون بفحص ست عينات رئيسية تحفظ حشرات منقرضة، في محاولة لمعرفة المزيد عن النمل الذي عاش في نفس الزمن الذي عاشت فيه الديناصورات.
ويقول دي لافوينتي إن الكهرمان يأتي من مواقع جغرافية وحقب زمنية مختلفة. فالعينة الأولى مصدرها كهرمان بحر البلطيق من بولندا (العصر الباليوسيني-الإيوسيني قبل 55.8-33.9 مليون سنة مضت).
أما العينات من الثانية إلى الرابعة والسادسة فمصدرها كهرمان بورمي من وادي هوكاونغ في ميانمار (العصر الطباشيري قبل حوالي 99 مليون سنة مضت)، أما العينة الخامسة فمصدرها كهرمان جمهورية الدومينيكان (العصر الأوليغوسيني قبل 33.9-23.03 مليون سنة مضت).
كهرمان بحر البلطيق من ليتوانيا (خوسيه دي لا فوينتي)
التضمين المتزامن
وتعرف ظاهرة احتواء حجر الكهرمان على كائنات حية متعددة من أنواع مختلفة باسم "التضمين المتزامن"، وهي ظاهرة نادرة. وقد اختار الباحثون هذه القطع الست تحديدًا لاحتوائها على النمل، الذي يُعتبر ذا أهمية بالغة للنظم البيئية.
ويُتيح تحديد وتوصيف مورفولوجيا النمل الأحفوري الموجود في الكهرمان مع أحافير أخرى من الحشرات لمحة عن الحياة على الأرض قبل ملايين السنين.
واستخدم العلماء مجاهر قوية لفحص الكهرمان، وتحديد الأنواع المختلفة الموجودة بداخله، وقياس المسافة بين النمل والأنواع الأخرى.
وفي ثلاث من قطع الكهرمان الست، وجد العلماء نملًا على مقربة من عث. وفي القطعة الأولى عثر العلماء على نملة تاجية، ودبور، وعثتين قريبتين جدًا من النملة لدرجة أنها ربما كانت تنتقل معها.
واحتوت القطعة الثانية على نملة ساقية وعنكبوت، بينما احتوت القطعة الثالثة على نملة جهنمية وحلزون، وأم أربعة وأربعين، وبعض الحشرات غير القابلة للتحديد.
واحتوت القطعة الرابعة على نملة ساقية وعثة، يفصل بينهما حوالي أربعة ملليمترات. كما احتوت القطعة الخامسة على ثلاثة أنواع مختلفة من النمل بالقرب من عثة وبعض النمل الأبيض، بالإضافة إلى بعوض وحشرة مجنحة محفوظة بشكل سيئ.
وفي القطعة السادسة، عثر العلماء على نملة ساقية بجانب دبور طفيلي وعنكبوت. ويبدو أن النملة كانت تتغذى على شيء ما. وبجانبها حشرة أخرى، قد تكون دودة أو يرقة، ولكن لعدم وجود ما يشير إلى تفاعلهما، يعتقد الباحثون أن وجودهما بجانب بعضهما كان محض صدفة.
استخدم العلماء مجاهر قوية لفحص الكهرمان وتحديد الأنواع المختلفة الموجودة بداخله (خوسيه دي لا فوينتي)
سلوك الحشرات
وحاول الباحثون تفسير التفاعلات بين هذه الكائنات. فقد تعكس تفاعلات النمل والعث الموجودة في القطعة الرابعة سيناريوهين محتملين: إما أنها علاقة تكافلية مؤقتة حيث يلتصق العث بالنمل لينتقل مجانًا إلى بيئات جديدة، وأما الاحتمال الثاني فهو أنها علاقة تطفلية حيث يتغذى العث على النمل المضيف أثناء انتقاله.
ويقول الباحثون إن المسافات الأقصر بين الحشرات المحفوظة في الكهرمان تعكس على الأرجح تفاعلات حدثت خلال حياتها، مثل تلك التي حدثت بين النمل والعث. لكنهم أيضا يقولون إن هذه الاستنتاجات قد تكون احتمالية؛ فالحشرات غير المتلامسة قد تكون مجرد حشرات علقت في نفس الراتنج.
ولتحسين تحليل التفاعلات بين الكائنات الحية المختلفة في رواسب الكهرمان الأحفورية، يقول دي لافوينتي إنه ينبغي أن تستخدم الأبحاث المستقبلية تقنيات تصوير متقدمة، مثل التصوير المقطعي المحوسب الدقيق؛ وذلك للبحث مثلا عن تراكيب الالتصاق على العث التي كانت تسمح له بالتسلق على النمل لأغراض التنقل. ومع ذلك، فإن هذه النتائج تقدم دليلاً على سلوك الحشرات وعاداتها البيئية.





شاهد.. 6 عينات من الكهرمان تكشف أسرار الحياة قبل 100 مليون عام




رد مع اقتباس