عائلة من النازحين في مدخل المسرح يتوسطهم مديره قاسم إسطنبولي
نازحون يفترشون الأرض بين الكراسي الحمراء المطوية في صالة أحد مسارح لبنان. بطانياتهم وفرشهم مبعثرة تغطي بعض المقاعد ومساحة من خشبة المسرح، وحقائبهم المفتوحة تفضح القليل من الممتلكات التي استطاعوا حملها معهم من منازلهم.
الضوء الذي كان يُستخدم لخدمة مشاهد العروض المسرحية، بات اليوم مسخّرا لإضاءة الصالة بما يتناسب مع متطلبات النزوح.
صور من المدن الأساسية في جنوب لبنان، إذ تحتضن مئات آلاف السكان وتشكل مركزا حيويا
من فضاء للفن إلى مقاومة ثقافية
في مدينة صور، ومع اندلاع الحرب، تحوّل المسرح الوطني من فضاء للعرض المسرحي الفني إلى مأوى مؤقت لعشرات العائلات النازحة.
هذا المسرح الذي يقع في حارة صور القديمة المتاخمة للبحر بات يؤدي دورا اجتماعيا ويشارك في المقاومة الثقافية التي يجب أن تبقى موجودة، بحسب ما يصفه مؤسسه الممثل والمخرج المسرحي قاسم إسطنبولي للجزيرة نت.
ويقول الأربعيني مصطفى عبد الله الذي يتخذ منذ بداية الحرب من مدخل المسرح مكانا للإقامة "كنت أرى وعائلتي المسرح من الخارج عندما أتجول في صور في عطلة نهاية الأسبوع التي أخرج فيها من قريتي الحدودية الخيام في أيام السلم، اليوم تعرفت عليه من الداخل كونه صار مكان إقامتي إلى أجل غير معروف".
فرش النازحين في مساء أول يوم نزوح
"أنا وأهلي نتخذ من غرفة التقنيين في أعلى المسرح مكانا للنوم"
صور.. نقطة تجمّع تحت وطأة هاجس الانقطاع
تُعد صور من المدن الأساسية في جنوب لبنان، إذ تحتضن مئات آلاف السكان وتشكل مركزا حيويا للمنطقة الجنوبية بما تضمه من أحياء سكنية واسعة ومخيمات للاجئين الفلسطينيين وأسواق ومؤسسات تربوية وصحية ومصرفية.
لذلك، ومع كل تصعيد عسكري، تتحول المدينة إلى نقطة تجمع لآلاف العائلات القادمة من القرى الحدودية، فضلا عن أنها تشهد موجة نزوح داخلية من صور إلى صور، حيث تفرغ مناطق معرضة للقصف وتُملأ أخرى آمنة نسبيا.
أمل شعبان، إحدى النازحات التي انتقلت من منطقة الحوش في صور إلى المسرح في اليوم الثاني للحرب تقول في معرض شرحها عن أحوال النازحين في المسرح للجزيرة نت: "أنا وأهلي نتخذ من غرفة التِّقَنيين في أعلى المسرح مكانا للنوم، وحتى الآن الأساسيات من أكل ومشرب وفرش مؤمنة، لكننا هنا في صور لدينا دائما هاجس انقطاع المواد الأساسية كوننا في الجنوب، وحالتنا تختلف عن مراكز الإيواء في بيروت وغيرها من المناطق الآمنة نسبيا".
في كل مناطق لبنان، تجعل قلة المراكز الثقافية والفنية، ومنها المسارح والمكتبات العامة، الوصول إلى الفن صعبا
متنفس للمقهورين
منذ إعادة تفعيله في السنوات القليلة الماضية، حرص المسرح على أن تكون عروضه شبه مجانية، وقريبة من الناس، تحاكي هموم المجتمع وتفتح أبواب الفن لجميع الطبقات.
واليوم، في زمن الحرب والنزوح، يتحول هذا المكان نفسه إلى مساحة للتنفس، حيث يجد النازحون فيه الأمان، كما تُنظَّم لهم ورش تدريبية بطابع ثقافي، فضلا عن العروض المسرحية التي يمكن أن يشاهدوها هذه المرة من على فُرُشهم عوضا عن المقاعد.
ولا يفوّت إسطنبولي فرصة لتذكير النازحين الجنوبيين بأن هذا المسرح لهم، وأنه لا يمكن الاعتراف بمسرح لا يكون صوتا للمقهورين في هذه الأرض، مذكرا إياهم بأن كل فروع المسرح الثلاثة، في طرابلس شمالي لبنان والعاصمة بيروت وصور، شرعت أبوابها دون تمييز لكل من ترك منزله سواء أكان لبنانيا أم أجنبيا (لاجئ سوري أو عامل أجنبي من أي جنسية مقيم في الأماكن الخطرة في لبنان)، لا كَمِنّة بل كواجب اجتماعي، على اعتبار أن المسرح بلا ناسه ومجتمعه هو مزيف ولا قيمة له.
عصفور أحد العائلات النازحة في المسرح
قلة الأماكن الثقافية
في الجنوب اللبناني، كما في كل مناطق لبنان، تجعل قلة المراكز الثقافية والفنية، ومنها المسارح والمكتبات العامة، الوصول إلى الفن صعبا، حتى في أوقات السلم. لذا، تَحول المسرح الوطني إلى مأوى للنازحين، يخلق مساحة تربط الناس بالثقافة حيث ستتكون ذاكرة جماعية في المكان.
والدليل على ذلك تقليد الأطفال للممثلين على خشبة المسرح التي لم يروها عن قرب كما يختبرون الآن في فترة نزوحهم، غير أنهم اعتمدوا الكواليس مكانا للتجمع قبل البدء باللعب.
ومن ضمن الألعاب الثابتة يوميا لدى الأولاد أيضا، التباري في حفظ أسماء المسرحيات الموجودة على الحائط الكبير عند مدخل المسرح، وهذه كلها مسرحيات قديمة تشكل محطات أرشيفية مر بها لبنان، وتحديدا جنوبه.
تثبت هذه الخطوة وتعكس قدرة المجتمع اللبناني على إعادة توظيف الفضاءات الثقافية لخدمة الإنسان في أوقات الحرب
شاب نازح يؤدي الصلاة تحت خشبة المسرح
تهديد للأماكن الثقافية والتراثية
ويحتمي النازحون الآن في هذا المركز الثقافي بوصفه مكانا آمنا أكثر من منازلهم والأماكن التي يهددها بشكل مباشر الجيش الإسرائيلي.
وتشمل هذه المواقع معالم ثقافية وأثرية مدرجة أساسا على لائحة الحماية الدولية لدى اليونسكو، وتضم مباني ومؤسسات ثقافية متنوعة مثل المسارح والمكتبات والمتاحف والمواقع الأثرية.
ومن بين أبرز هذه المواقع آثار مدينة صور، وقلعتا بعلبك وبلدة شمع الجنوبية، وهي مواقع تاريخية ذات قيمة ثقافية وتراثية كبيرة للبنان والمنطقة.
وقد حذرت وزارة الثقافة آنذاك من أن قرب هذه المواقع من مناطق القصف يعرّضها لخطر الأضرار المباشرة أو غير المباشرة، سواء نتيجة الغارات أو الاهتزازات الناتجة عنها. وتسلط هذه المعطيات الضوء على أن وضع هذه المواقع الثقافية والتراثية هش خلال الحروب مع إسرائيل، حيث تتحول أماكن تراثية وأخرى مخصصة للفن والمعرفة إلى مواقع مهددة.





نازحون على خشبة مسرح صور.. قصة ملجأ ثقافي في زمن الحرب




رد مع اقتباس