بعض البعوض الذي طور القدرة على لدغ البشر (بيكسابي)
يعد البعوض بلا جدال أكثر الكائنات فتكا بالبشر على كوكب الأرض، إذ يودي سنويا بحياة مئات الآلاف من الأشخاص من خلال نقل الملاريا وحمى الضنك وسلسلة من الأمراض القاتلة الأخرى.
ومع ذلك، لا تتحمل جميع أنواع البعوض المسؤولية عن هذا الخطر، فبعض البعوض الذي امتلك القدرة على لدغ البشر ينتمي إلى مجموعة أنوفيلس ليوكوفيروس، وهي مجموعة تمثل 7 أنواع على الأقل من بين نحو 3600 نوع معروف من البعوض على كوكب الأرض.
وقد ظل السؤال حول السبب والتوقيت والكيفية التي اكتسبت بها هذه الحشرات تفضيلها لدمائنا موضع اهتمام طويل لدى العلماء، حتى اقترحت دراسة جينية جديدة نُشرت في مجلة "ساينتفيك ريبورتس" (Scientific Reports)، أن تعطش بعض أنواع البعوض لدم الإنسان قد يكون ضاربا في القدم إلى حد بعيد، إذ ربما يعود إلى نحو 1.8 مليون سنة، وهي فترة ربما كان خلالها أجدادنا القدماء في أوج انتشارهم.
تعطش بعض أنواع البعوض لدم الإنسان قد يكون ضاربا في القدم إلى حد بعيد (شترستوك)
بعوض "محب للبشر"
لإعادة بناء تاريخ لهذه الحشرات، قام علماء الأحياء بتسلسل الحمض النووي لـ38 بعوضة تنتمي إلى 11 نوعا مختلفا ضمن مجموعة ليوكوفيروس، جُمعت من مناطق متعددة في جنوب شرق آسيا بين عامي 1992 و2020.
تقول الباحثة في مرحلة ما بعد الدكتوراه بجامعة فاندربيلت بولاية تينيسي الأمريكية، والمؤلفة الرئيسة للدراسة، أوباسانا شيامسوندر سينغ: "ركزنا على مجموعة ليوكوفيروس لأن عددا قليلا فقط من بين آلاف أنواع البعوض في العالم ينجذب بقوة إلى البشر، وهذه الأنواع تحديدا تكون عادة أهم النواقل للأمراض البشرية".
ضمن هذه المجموعة، تُظهر بعض الأنواع -مثل أنوفيليس ديروس وأنوفيليس بايمايوهما- تفضيلا قويا للتغذي على دماء الإنسان، وهي من النواقل الرئيسة للملاريا في جنوب شرق آسيا. وفي الوقت نفسه، تفضل أنواع قريبة منها التغذي على حيوانات أخرى، بما في ذلك الرئيسيات غير البشرية مثل القرود وإنسان الغاب.
وتشير سينغ في تصريحات للجزيرة نت إلى أن "هذا التنوع في سلوك التغذية داخل مجموعة متقاربة يجعلها نظاما مثاليا لدراسة كيف ولماذا تكيفت بعض أنواع البعوض للتغذي أساسا على الرئيسيات غير البشرية إلى استهداف البشر".
تتبع أولى لدغات البعوض للإنسان
استخدم الباحثون نماذج حاسوبية لتقدير معدلات الطفرات الجينية على المدى الطويل، كما استخدموا البيانات الجينية لإعادة بناء تاريخ أشمل لهذه الأنواع.
تقول سينغ: "باستخدام هذا النهج، توصلنا إلى أن تفضيل دم الإنسان ظهر مرة واحدة فقط داخل هذه المجموعة من البعوض، وذلك خلال فترة تتراوح بين 2.9 مليون و1.6 مليون سنة".
كما أتاح التحليل الجيني تحديد المكان الذي حدث فيه ذلك، ويتمثل في كتلة أرضية قديمة غمرتها المياه تُعرف باسم سوندالاند، وتمثل بقاياها اليوم بورنيو وجاوة وشبه جزيرة الملايو وسومطرة في جنوب شرق آسيا.
وقبل وصول البشر إلى تلك البيئات، كانت البعوضة تتغذى حصرا على دماء الرئيسيات الأخرى غير البشرية الموجودة في المنطقة. كان هذا هو "السلوك الفطري" للحشرات، وتشير دراسات سابقة إلى أن لدغ الرئيسيات غير البشرية بدأ قبل أكثر من 3.6 مليون سنة.
الإنسان يحمل الإجابة
لا يزال علماء الآثار يختلفون حول التوقيت الدقيق لهجرة أوائل أسلاف البشر من إفريقيا إلى آسيا. لكن الدراسة الجديدة القائمة على التحليل الجيني للبعوض تشير بصورة مستقلة إلى أن هذه الهجرة حدثت قبل نحو 1.8 مليون عام.
وتسبق هذه النتائج ما افترضته نظريات سابقة حول الحشرات الناقلة للملاريا، خصوصًا الأنواع الإفريقية مثل بعوضة "الأنوفيلة الغامبية" المعروفة بأنها أخطر حيوان في العالم، وبعوضة "الأنوفيلة الكولوزية" التي تنشط في لدغ البشر. فقبل هذه الاكتشافات الجينية الحديثة، كان الباحثون يعتقدون أن تغذي البعوض على دم الإنسان لم يبدأ إلا قبل فترة تتراوح بين 509 آلاف و61 ألف عام.
ولكي يتمكن البعوض من التغذي على البشر، لا بد أولًا أن يكون قادرًا على العثور عليهم. ويرجح العلماء أن هذه الحشرات امتلكت تدريجيًا مستقبلات جينية متخصصة تمكنها من رصد رائحة جسم أشباه البشر، إلا أن حدوث ذلك يفترض وجود تجمعات كبيرة من الإنسان المنتصب في هذه المنطقة وفي هذا التوقيت.
ومن اللافت -حسب ما تقول سينغ- أن هذا الإطار الزمني يتقاطع مع أدلة أحفورية من جزيرة جاوة تشير إلى وصول ما يعرف باسم "الإنسان المنتصب القامة"، إلى منطقة سوندالاند بجنوب شرق آسيا.
ويرجح الباحثون أن أفراد الجنس الإنساني القدماء، كانوا يعيشون بأعداد وفيرة في جنوب شرق آسيا، أما الإنسان الحديث فلم يصل إلى هذه المنطقة إلا بين 76 ألفًا و63 ألف عام.
ووفقًا للباحثة، يشير ذلك إلى أن وصول أفراد الجنس الإنساني القدماء واستقرارهم في المنطقة ربما منح بعض أنواع البعوض وقتًا طويلًا للانتقال من التغذي على الرئيسيات الأخرى إلى استهداف أشباه البشر. فالبعوض يتميز بأعداد كبيرة ودورات حياة قصيرة، ما يسمح له بالتكيف بسرعة نسبيًا استجابة لفرص بيئية أو عوائل جديدة.
ومن هذا المنطلق، يرى الباحثون أن دراسة تكيفات البعوض قد تسهم في سد فجوات معرفية حول الجنس الإنساني وهجرات أقدم أفراده، لا سيما في مناطق مثل جنوب شرق آسيا حيث السجل الأحفوري محدود نسبيًا.
وتختم سينغ بقولها: "من خلال معرفة الظروف التي سمحت للبعوض بالتكيف مع التغذي على البشر في الماضي، قد نتمكن من توقع تغيرات مماثلة في المستقبل وربما منعها".





مفاجأة علمية.. البعوض يتغذى على دمائنا منذ 1.8 مليون عام


رد مع اقتباس