من هنا
حيث تتقاطع الأشياء ولا تتصالح،
حيث تتصافح النار مع الماء دون أن يبرد أحد،
ويجلس الأبيض إلى جوار الأسود كأنهما يعرفان السر.
من هنا تبدأ الحكاية
تجلياتٌ تمرّ في داخلي كغيمٍ ثقيل،
تخيلاتٌ تجرّني إلى أماكن لم اسكنها قبلا، لكنها تسكنني أكثر من واقعي.
كأنني رجلٌ يسكنه ألف رجل،
وكلّهم مختلفون
كلّهم أنا.
ما كان الألم ضيفًا عابرًا،
انه صاحب الدار، يفتح النوافذ متى شاء،
ويترك الريح تعبث بما تبقّى من تراتبية القلب.
أما الفراق
ذلك الذي لا يُبصر، لكنه يُعيد تشكيل الوجوه في الذاكرة،
حتى لا تعود كما كانت، ولا تُنسى كما يجب.
أنا بين السهل والجبل،
أصعد نفسي حين أشتدّ،
وأهبط إليها حين أتعب،
وفي كلا الحالين أضيع.
التعب لم يكن ماديا،
انما يكمن في الفكرة التي لا تنام،
في السؤال الذي يعضّ الوقت بأسنانه،
في الحنين الذي لا يكتفي.
أما الراحة
فهي لحظة كاذبة،
نصدّقها لأننا نحتاج أن نكذب قليلًا.
أسمع أنينًا لا أعرف مصدره،
قد يكون قلبي،
وقد يكون هذا العالم حين يتذكّر نفسه.
الفقدان لا يعلّمك الصبر،
بل يعلّمك كيف تتقن الغياب وأنت حاضر،
كيف تبتسم وفي داخلك جنازة لا تنتهي.
السنين تمضي،
لكنها لا تأخذ معها ما يجب أخذه،
تترك الماضي الأليم حيًّا،
كجرحٍ تعلّم أن يتنفس.
أما الحاضر
فمقيمٌ كضيف ثقيل،
لا هو الذي يرحل،
ولا نحن الذين نجرؤ على طرده.
والمستقبل؟
ذلك الغريب الذي ننتظره بقلق،
كأنه يحمل لنا حكمًا نهائيًا،
ولا نعلم إن كان خلاصًا أم امتدادًا للتيه.
أنا لست شاعرًا،
لكن الكلمات حين تضيق بي،
تكتبني.
ولست حكيمًا،
لكنني عشت ما يكفي لأعرف
أن الإنسان
ليس بما يظهره،
بل بما يخفيه حين يظنّ أن لا أحد يرى.
ومن هنا أيضًا
تنتهي الحكاية،
لتبدأ من جديد.






رد مع اقتباس

