ناقش برنامج “باب حوار” الجدل بشأن التربية الحديثة بين من يراها مدخلا لبناء شخصية متوازنة للطفل، ومن يخشى أن تقود إلى تراجع القيم والانضباط التي ميزت التربية التقليدية.
يتجدد الجدل بشأن أساليب تربية الأطفال بين من يرى في المناهج الحديثة مدخلا لبناء شخصية متوازنة قادرة على التعبير عن ذاتها، ومن يخشى أن تقود هذه المقاربات إلى تآكل القيم الاجتماعية والدينية التي شكَّلت أساس التربية التقليدية.
وناقشت حلقة (2026/3/22) من برنامج "باب حوار" وهذا رابطها، هذه الإشكالية عبر مجموعة من الفرضيات التي وضعت المشاركين أمام سؤال مركزي: هل تمثل التربية الحديثة تطورا طبيعيا في فهم احتياجات الطفل أم إنها تقود تدريجيا إلى تفكيك الضوابط التي حكمت التنشئة عبر أجيال؟
وانقسم المشاركون في النقاش -الذي يقوم على مواجهة مباشرة بين فريقين يجلسان وجها لوجه- بشأن جملة من القضايا المرتبطة بالحرية والانضباط، وأثر الشدة في التربية، إضافة إلى موقع الأساليب التعليمية التقليدية في عالم يتغير بسرعة.
وضم النقاش مؤيدين للتربية الحديثة يرون فيها انتقالا من منطق السيطرة إلى منطق الفهم والحوار، في مقابل مشاركين دافعوا عن جوانب من التربية التقليدية بوصفها ضامنا للاستقرار القيمي والانضباط الاجتماعي.
ورفض عدد من المشاركين وصف التربية القديمة بأنها "ديكتاتورية"، مشيرين إلى أن هذا التوصيف يحمل قدرا من التبسيط والتحامل على تجارب اجتماعية معقدة تشكلت عبر التاريخ.
وقال الباحث والمهتم بقضايا التربية التقليدية محمد باب أحمد إن التربية القديمة لم تكن قائمة على القمع بقدر ما كانت تستند إلى منظومة من القيم الدينية والاجتماعية التي تضبط علاقة الأبناء بوالديهم، مؤكدا أن الانضباط لا يعني بالضرورة مصادرة الحرية.
وفي السياق نفسه، رأت الكاتبة والباحثة الاجتماعية سبأ هلالي أن اختزال التجارب التربوية القديمة في صورة سلطوية يتجاهل سياقها التاريخي والاجتماعي، مشيرة إلى أن الأسرة الممتدة كانت تشارك في عملية التنشئة وتوفر شبكة اجتماعية أوسع لدعم الطفل.
وأضافت أن تلك المجتمعات لم تكن خالية من مظاهر العنف أو الظلم، لكنها في الوقت ذاته كانت تضم أشكالا من التفاعل الاجتماعي والتضامن الأسري يصعب العثور عليها بالقدر نفسه في المجتمعات المعاصرة.
حرية أم توازن؟
في المقابل، شدَّد مؤيدو التربية الحديثة على أن المقاربة الجديدة لا تقوم على الحرية المطلقة كما يُشاع، بل على تحقيق توازن بين احتياجات الطفل النفسية وضرورة وجود حدود واضحة في عملية التنشئة.
وقالت المدربة في التربية الحديثة تمارا ذبيان إن هذه المقاربة تهدف إلى بناء أفراد أصحاء نفسيا وقادرين على اتخاذ قراراتهم، مضيفة أن كثيرا من المشكلات التي يعانيها البالغون اليوم تعود إلى أساليب تربية قائمة على القسوة أو مصادرة الاختيار.
وأوضحت المستشارة في الإرشاد الأسري والتربوي سولافا سليم أن علم النفس التربوي يميز بين أنماط مختلفة من التربية، من بينها الأسلوب السلطوي القائم على التحكم العالي والعاطفة الضعيفة، والأسلوب المتساهل الذي يمنح عاطفة كبيرة مع ضوابط محدودة.
وأضافت أن النموذج الأكثر توازنا هو الذي يجمع بين الحزم والتعاطف، بحيث يحصل الطفل على مساحة من الاختيار دون أن يفقد الإحساس بوجود قواعد تنظم سلوكه داخل الأسرة والمجتمع.
وتوقف النقاش عند فرضية أخرى مفادها أن الأجيال السابقة "تربَّت على الشدة ولم تعانِ شيئا"، وهو طرح أثار خلافا واضحا بين المشاركين.
فقد رأت سولافا سليم أن نجاح بعض الأفراد في حياتهم لا يعني بالضرورة أن أساليب التربية القاسية كانت السبب في ذلك، مشيرة إلى أن كثيرا من الناس يبدون ناجحين من الخارج بينما يحملون صراعات نفسية عميقة.
وأوضحت أن السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بإن كان الفرد قد أصبح طبيبا أو مهندسا، بل بمدى تصالحه مع ذاته وقدرته على بناء علاقات صحية مع الآخرين.
أنماط تنشئة قاسية
وفي الاتجاه نفسه، رأت تمارا ذبيان أن التربية القائمة على الشدة تترك آثارا نفسية طويلة الأمد، مشيرة إلى أن كثيرا من الشباب يعانون صعوبة في اتخاذ قراراتهم أو التعبير عن مشاعرهم بسبب أنماط تنشئة قاسية.
لكنَّ محمد باب أحمد قدَّم رؤية مغايرة، موضحا أن قدرا من الحزم كان جزءا من منظومة تربوية أسهمت في إعداد أجيال قادرة على مواجهة الصعوبات وتحمُّل المسؤولية.
وأشار إلى أن التاريخ الإسلامي يضم نماذج عديدة لتربية اتسمت بالصرامة النسبية لكنها أسهمت في بناء شخصيات قوية قادرة على القيادة وتحمُّل التحديات.
وفي فرضية أخرى، ناقش المشاركون العلاقة بين أساليب العقاب القديمة وانتشار الاضطرابات النفسية، واتفق معظمهم على أن العنف المفرط أو الإهانة لا يمكن أن يشكلا أساسا لتربية سليمة.
وفي ختام النقاش، طُرحت فرضية تتعلق بجدوى الكتاتيب والمحاضر التقليدية في التعليم، إذ رفض بعض المشاركين القول إن هذه المؤسسات "عفا عليها الزمن".
وفي المقابل، دعت أصوات أخرى إلى تطوير أساليب التعليم التقليدية بحيث تراعي احتياجات الطفل النفسية وأساليب التعلم الحديثة، بدلا من الاكتفاء بالتكرار والتلقين.





التربية الحديثة.. بناء سويّ لشخصية الطفل أم انسلاخ عن القيم؟
رد مع اقتباس