كشفت الحرب الإسرائيلية–الأميركية واقعًا مُهينًا: ضعف العالم العربي.

لقد استُنزفت قدرة العرب على الصمود إلى حد الانهيار بفعل حروب إسرائيل على غزة ولبنان وسوريا، إلى جانب عنف المستوطنين الإسرائيليين ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية، والتحركات نحو الضم.
ما يجري ليس مجرد صراع بين دول، بل تآكل لنظام إقليمي طالما اعتمد على الضمانات الأمنية الأميركية، وعلى سياسات مجزأة، وردود فعل آنية.
على مدى عقود، تعامل الحلفاء التقليديون للولايات المتحدة في المنطقة — دول مجلس التعاون الخليجي الغنية بالنفط (السعودية، الإمارات، الكويت، قطر، البحرين، وعُمان)، إضافة إلى الأردن ومصر — مع الأزمات بشكل فردي، فتارة ينسقون فيما بينهم، وتارة أخرى يعملون في اتجاهات متعارضة، مدفوعين بمنافسات شخصية.
أما اليوم، فلم يعد التحدي واحدًا. يقول مروان المعشر، وزير الخارجية الأردني الأسبق وسفير بلاده لدى إسرائيل والولايات المتحدة:
“هناك فراغ هائل في العالم العربي — يملأه الجميع باستثناء العرب.”
وأضاف المعشر، الذي يشغل حاليًا منصب نائب رئيس الدراسات في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي ويشرف على أبحاث الشرق الأوسط:
“هناك مشروع إيراني، ومشروع إسرائيلي توسعي، ومشاريع أخرى تشكل المنطقة. لكن لا يوجد مشروع عربي.”
هذا الفراغ يجري تشكيله فعليًا عبر ثلاث رؤى متنافسة. واللافت أن أياً منها لا ينبع من التفكير العربي نفسه.
المشروع الإيراني يقوم على تصدير النفوذ الثوري عبر فاعلين خارج سلطة الدولة، وشبكات وكلاء، وحروب غير متكافئة، بهدف توسيع النفوذ مع تجنب المواجهة المباشرة.
أما المشروع التركي فيعتمد على القوة الناعمة، والامتداد الأيديولوجي، وبناء نفوذ سياسي طويل الأمد، سعيًا إلى لعب دور قيادي في أجزاء من العالم السني، وفي إفريقيا جنوب الصحراء وخارجها، عبر الثقافة والدين والشبكات السياسية.
في المقابل، يسعى المشروع الإسرائيلي إلى فرض هيمنة عسكرية إقليمية غير منازعة، وإعادة تشكيل الحدود والوقائع السياسية، وحسم القضية الفلسطينية وفق شروطه الخاصة — على حساب الأردن ومصر.
لكل من هذه المشاريع استراتيجية. أما العرب فلا.
الحرب على إيران، إلى جانب حروب إسرائيل في غزة ولبنان، وكذلك الضم الصامت للضفة الغربية المحتلة، جعلت تكلفة هذا الفشل واضحة بشكل لا لبس فيه.
بالنسبة لدول الخليج، كان الدرس قاسيًا ووجوديًا. فسنوات من الشراكات الدفاعية مع واشنطن لم تمنع الصواريخ والطائرات المسيّرة من استهداف البنية التحتية الحيوية والأهداف المدنية. وقد اهتزّ الافتراض القائل بإمكانية “الاستعانة بمصادر خارجية للأمن” من جذوره.
في الوقت ذاته، أصبحت أولويات الولايات المتحدة أكثر وضوحًا. فعندما تعرضت الموارد العسكرية للضغط، تم توجيهها أولاً نحو إسرائيل. وهذا يستدعي إعادة تقييم. فقد حل الشك محل الثقة، وتنامى شعور بالتخلي.
وقال مسؤول أمني إقليمي رفيع:
“كان لدينا اتفاقيات وقواعد وتفاهمات — لكن عندما سقطت الصواريخ، تُركنا لنتحمل الصدمة وحدنا.”
ومع ذلك، تبقى المعضلة الاستراتيجية قائمة. فالولايات المتحدة يمكن أن تنخرط — ثم تنسحب. وإسرائيل يمكن أن تصعّد — ثم تفرض وقائع جديدة. أما الدول العربية، فستُترك لتدير تداعيات التهديدين الإيراني والإسرائيلي.
هذه المجموعة من الدول — التي تُوصف غالبًا بأنها “تحالف الاعتدال” في المنطقة، بينما يصفها منتقدوها بـ”تحالف الاستسلام” — تواجه اليوم اختبارًا حاسمًا: هل تستطيع تنسيق موقف واضح تجاه هذين التحديين دون الدخول في مواجهة مع الرئيس ترامب؟
وهناك أيضًا الانقسام بشأن حربه المتوسعة مع إيران. فهناك توافق واسع بينها، ولكن على أمر واحد فقط: ضرورة كبح القدرات العسكرية والنووية الإيرانية.
ومع ذلك، لا يوجد وضوح بشأن كيفية إنهاء الولايات المتحدة وإسرائيل لهذه الحرب، أو حتى سبب اندلاعها أساسًا. فقد أبلغت مديرة الاستخبارات الوطنية تولسي غابارد الكونغرس أن فريقها لم يرصد أي مؤشرات على استئناف النشاط النووي الإيراني.
وفي غياب تفسيرات موثوقة، تستحضر الدول العربية ما جرى في العراق بعد الحرب التي قادتها الولايات المتحدة عام 2003، والتي أطاحت بنظام الرئيس صدام حسين، لكنها تركت وراءها دولة مفككة واجهت تمردًا وصراعًا طائفيًا استمر لعقد.
إن انهيار الدولة الإيرانية قد يفضي إلى حالة عدم استقرار طويلة الأمد على مستوى المنطقة. أما بقاء النظام الإيراني ضعيفًا لكنه قائم، فقد يدفعه إلى الانتقام عبر حروب بالوكالة وزعزعة إقليمية.
وفي الوقت نفسه، يجري التحضير بالفعل لصدمة ثانية من جانب إسرائيل. ويقول المعشر: “الموقف الموحد ضروري.”
لقد جعلت حرب إسرائيل المستمرة منذ عامين ونصف على غزة أجزاءً كبيرة من القطاع غير صالحة للحياة. وأكثر من 50% منه بات تحت سيطرة الجيش الإسرائيلي. أما الضفة الغربية، التي تُعد عمقًا استراتيجيًا للأردن، فتشهد عملية خطيرة ومؤثرة: تكريس السيطرة الإقليمية عبر الضم القسري، وتفتيت الأراضي، وتصاعد عنف المستوطنين، وتآكل فرص قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة.
بالنسبة للأردن، حيث يشكل المواطنون من أصول فلسطينية نسبة كبيرة من السكان، يمثل ذلك تهديدًا وجوديًا. أما بالنسبة لمصر، فإن احتمال تدفق الفلسطينيين من غزة يطرح تحديًا مختلفًا، لكنه لا يقل خطورة.
هذه ليست أزمات متوازية، بل ديناميات متداخلة. ومع ذلك، لا يزال الرد العربي الموحد غائبًا.
المطلوب ليس تحالفًا عسكريًا، بل إطار سياسي–أمني منسق بين الدول الثماني، قادر على تحديد المصالح والمخاطر المشتركة، والتصرف بناءً عليها.
أولاً، يتعين عليها التوصل إلى موقف موحد تجاه إيران يدعم الأهداف المعلنة للحرب: إسقاط النظام، والتدمير الكامل للقدرات النووية والعسكرية لطهران، لضمان عدم قدرتها على إعادة تصدير عدم الاستقرار.
وقال المسؤول الأمني الإقليمي:
“إذا لم تحقق الحرب أهدافها المعلنة، فإن تأثيرها على دول الخليج سيكون أكبر مما كان قبلها، لأن النظام سيصبح أكثر عدوانية. علينا الاستعداد لمرحلة ما بعد الحرب والانتقام.”
وأضاف:
“سيغادر الأميركيون والإسرائيليون، وسيقولون لنا: تولّوا أنتم إدارة التداعيات، لأنكم رفضتم الانضمام إلى حربنا.”
ثانيًا، يتعين عليها رسم خط أحمر واضح ومُلزم جماعيًا ضد ضم الضفة الغربية، وأي شكل من أشكال التهجير القسري للفلسطينيين — على أن يُنظر إلى ذلك ليس فقط كقضية سياسية، بل كتهديد مباشر للاستقرار الإقليمي.
ثالثًا، يجب إعادة ضبط العلاقة مع الولايات المتحدة، عبر الحفاظ على الروابط الاستراتيجية، مع تقليل الاعتماد عليها، وطرح أولويات إقليمية أكثر وضوحًا.
لكن ما هو مطلوب لا يقتصر على تحديد المواقف، بل يشمل أيضًا الفعل. وهذا يعني تنسيق الإشارات الاقتصادية والدبلوماسية، وتوضيح أن أي ضم إضافي أو زعزعة للاستقرار سيترتب عليه ثمن إقليمي ملموس. كما يعني استخدام العلاقات القائمة — بما في ذلك اتفاقيات التطبيع — كأدوات نفوذ، لا كأطر سلبية. ويعني كذلك تجميع الموارد الأمنية والاستخباراتية والاستراتيجية، بحيث لا يُستعان بالأطراف الخارجية في الردع، بل يُبنى جزئيًا من داخل المنطقة.
لا يتعلق الأمر بمواجهة واشنطن، ولا بالدخول في صراع مفتوح مع إسرائيل، بل بتحديد موقف عربي يتمتع بالمصداقية لأنه جماعي.
بالنسبة للأردن، المخاطر فورية. فهو يقع في قلب أكثر قضايا المنطقة تقلبًا: مستقبل الضفة الغربية، وخطر التهجير، وإعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية. واستقراره ليس شأنًا وطنيًا فحسب، بل ضرورة استراتيجية. ويستضيف الأردن اليوم القاعدة الأميركية الرئيسية في الشرق الأدنى.
أما سوريا ولبنان والعراق فقد أصبحت بيئات غير آمنة. كما أن إسرائيل تملك مساحة محدودة لتحرك طائراتها العسكرية بحرية.
وكما قال أحد المسؤولين الأردنيين:
“نحن بحاجة إلى التوقف عن رد الفعل والبدء بالفعل. لدينا أوراق قوة: الاستقرار، وأجهزة أمنية مُجرَّبة تخدم إسرائيل وكل دولة في المنطقة وخارجها… علينا أن نقلب هذه الأوراق. هذه هي ورقة نفطنا.”
إذا استمر المسار الحالي، فإن التسلسل سيكون متوقعًا: حرب تُضعف إيران دون أن تُنهي التهديد؛ انسحاب أميركي يترك وراءه حالة من عدم اليقين؛ وتحول إسرائيلي نحو إعادة تشكيل الواقع الإقليمي والفلسطيني بطرق تؤثر مباشرة على جيرانه. عندها، لن تعود تكلفة التقاعس نظرية.
العالم العربي لا يفتقر إلى الموارد، ولا إلى النفوذ. لكنه يفتقر إلى الإرادة — الإرادة للنهوض واستعادة زمام المبادرة.




https://alhurra.com/16796