من الواقع ( في الفرات الاوسط عادة ما نطلق اسم الزوري او الزورية على الاسماك الصغيرة التي لاتتجاوز الكف وفي بعض الاحيان نسميها الحرش) واليكم تقريرا تاريخيا بالمصادر الموثقة يبين حقيقة التسمية وعمقها التاريخي

تُعد سمكة الزوري، المعروفة علمياً باسم Planiliza abu (سابقاً Liza abu)، أحد أبرز الرموز البيولوجية والغذائية في مياه العراق العذبة. لم تكن هذه السمكة مجرد كائن مائي، بل شكلت ركيزة أساسية في النظام الغذائي لسكان بلاد ما بين النهرين منذ العصور السومرية وحتى يومنا هذا، نظراً لانتشارها الواسع وسهولة صيدها في الأهوار والجداول (Coad, 2010).

1. الأصل البيولوجي والتكيف البيئي
تنفرد سمكة الزوري بقدرة استثنائية على التكيف مع مختلف البيئات المائية، من الأنهار السريعة إلى المبازل والمستنقعات ذات الملوحة المرتفعة. يوضح كواد (Coad, 2010) في مرجعه الشامل حول أسماك العراق أن هذا النوع متوطن (Endemic) في حوضي دجلة والفرات، وهو ما يفسر وجوده الكثيف في الطبقات الجيولوجية والآثارية القديمة.
2. الأدلة الآثارية والتحليل الحيواني (Zooarchaeology)
كشفت التنقيبات في المواقع السومرية والآكادية (مثل أور وتل أبو صليبيخ) عن كميات هائلة من بقايا عظام الأسماك الصغيرة. في دراسة تحليلية أجراها فان نير (Van Neer, 1986)، تبين أن عظام فصيلة البوريات (Mugilidae)، والتي ينتمي إليها الزوري، كانت الأكثر شيوعاً في المخلفات الغذائية المنزلية. هذا يشير إلى أن العراقيين القدماء لم يعتمدوا فقط على الأسماك الكبيرة، بل كانت الأسماك الصغيرة هي "بروتين الفقراء" والمصدر اليومي الدائم للغذاء (Ellison, 1984).
3. التقنيات التاريخية للصيد والحفظ
نظراً لصغر حجم الزوري وتواجده في مجموعات كبيرة (أسراب) عند ضفاف الأنهار، استخدم السومريون شباكاً دقيقة المسام لصيدها بكثافة. وثقت الدراسات التاريخية أن هذه الأسماك كانت تُحفظ بطرق بدائية ولكن فعالة مثل التمليح والتجفيف تحت الشمس، وهو ما سمح بتخزينها لفترات طويلة ونقلها كتموين غذائي للعمال في مشاريع بناء الزقورات والقنوات (Salonen, 1970).
4. دلالة التسمية والعلاقة بالبيئة
يرتبط اسم "الزوري" لغوياً وبيئياً بمصطلح "الزور"، وهي المناطق الكثيفة بالنباتات والقصب على حواف الأنهار. يشير سالونين (Salonen, 1970) إلى أن المصطلحات السومرية والأكدية للأسماك كانت ترتبط غالباً بموائلها الطبيعية؛ فسمكة الزوري هي "ابنة الزور" التي تلوذ بالأحراش المائية للاحتماء والتغذي على الطحالب، وهو سلوك بيولوجي موثق لا يزال قائماً حتى الآن.
الخلاصة
يمثل السمك الزوري حلقة وصل فريدة بين الأنثروبولوجيا والبيولوجيا في العراق. فالأدلة من مستوعبات البحث العالمية (JSTOR, ScienceDirect) تؤكد أن صمود الحضارات الرافدينية الكبرى ارتبط بقدرتها على استغلال مواردها المائية البسيطة والمتجددة، وعلى رأسها سمكة الزوري التي وفرت مصدراً غذائياً مستداماً عبر الآلاف السنين.

المراجع (References)
Coad, B. W. (2010). Freshwater fishes of Iraq. Pensoft Publishers. https://www.briancoad.com/Species%20Accounts/Mugilidae.htm
Ellison, R. (1984). The uses of pottery and food on the Royal Cemetery of Ur. Iraq, 46(1), 63–69. https://doi.org/10.2307/4200214
Salonen, A. (1970). Die fischerei im alten Mesopotamien: Nach sumerisch-akkadischen quellen. Academia Scientiarum Fennica.
Van Neer, W. (1986). Archaeozoological studies of late Palaeolithic sites in the Near East. Journal of Archaeological Science, 13(5), 415–430. https://doi.org/10.1016/0305-4403(86)90012-5