كشف المستور: إجماع علماء السنة على التوسل والاستغاثة بآل البيت (أدلة لا تقبل التأويل)
مقدمة
يعد موضوع التوسل والاستغاثة بالأنبياء وآل البيت عليهم السلام من الركائز التي قام عليها وجدان الأمة الإسلامية عبر القرون، وتحديداً في مدرسة أهل السنة والجماعة بمذاهبها الأربعة. يهدف هذا البحث إلى استجلاء الحقيقة المغيبة وتوثيق مشروعية هذا المسلك من بطون أمهات الكتب السنية المعتمدة، بعيداً عن السجالات الفكرية الطارئة. إن المفهوم السني الأصيل للتوسل يقوم على تعظيم ما عظمه الله، واتخاذ ذوي الجاه والمكانة وسيلة لنيل القربى من الخالق سبحانه، وهو ما سيتم إثباته بالدليل القاطع من الصحاح والسنن والتفاسير.

المبحث الأول: التأصيل الأصولي واللغوي لمفهوم الوسيلة
الوسيلة في لسان العرب كما يذكر ابن منظور هي ما يُتقرب به إلى الملك، والواسل هو الراغب إلى الله (1).

وفي الاصطلاح الأصولي هي كل سبب مشروع يُتخذ لنيل المحبوب أو دفع المكروه. ومن هنا فإن التوسل بالنبي وآله ليس توجهاً لذواتهم استقلالاً، بل هو توسل بالسبب الذي عظمه الله، تماماً كما يتوسل المسلم بصالح أعماله.
وعند تفسير قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة) يذكر الإمام الطبري في جامع البيان أن الوسيلة هي القربة التي تطلبون بها الزلفى عند الله (2).
ويقرر الإمام الفخر الرازي في مفاتيح الغيب أن الوسيلة لا تنحصر في العمل الصالح فقط، بل تشمل كل ما له وجاهة عند الله، مؤكداً أن الأرواح الطاهرة كأرواح الأنبياء وآل البيت تفيض ببركتها على من ارتبط بها وتوسل بمكانتها (3).
ويرى جمهور الفقهاء أن التوسل بالذوات الفاضلة هو في حقيقته توسل بعمل المتوسل، لأن المؤمن حين يقول (اللهم بجاه نبيك) فهو يتوسل بإيماني العميق ومحبته الصادقة لهذا النبي، وهي من أعظم الأعمال الصالحة إجماعاً كما أشار السيوطي في الدر المنثور (4).

المبحث الثاني: السنة النبوية الشريفة ودلالات الأثر
اعتمد جمهور المحدثين جملة من الأحاديث التي تؤسس لمبدأ التوسل بالذوات والجاه، ومن أبرزها حديث عثمان بن حنيف (الأعمى) الذي أخرجه الإمام الترمذي وصححه، وفيه تعليم النبي للأعمى أن يتوجه بذات النبي في دعائه (5).هذا الحديث صححه أيضاً الحاكم النيسابوري في المستدرك (6).

كما روى الإمام الطبراني في المعجم الكبير أن عثمان بن حنيف علّم هذا الدعاء لرجل في زمن خلافة عثمان بن عفان وقضيت حاجته ببركة هذا التوجه (7).
كما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عندما دفن فاطمة بنت أسد (والدة الإمام علي) قال: (اغفر لأمي فاطمة بنت أسد ووسع عليها مدخلها، بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي)، وهو ما وثقه أبو نعيم الأصبهاني في حلية الأولياء (8).
وتؤكد أحاديث الشفاعة الكبرى في صحيح البخاري أن الخلق يوم القيامة يستغيثون بالأنبياء طلباً للشفاعة (9). فإذا جازت الاستغاثة بهم في أعظم مواقف التوحيد، فهي في الدنيا أولى بالجواز لاتحاد العلة وهي الاستشفاع بمكانتهم عند الله.

المبحث الثالث: آل البيت سفينة النجاة ووسيلة الأمة
لم يكن توسل الخليفة عمر بن الخطاب بالعباس بن عبد المطلب (عم النبي) مجرد فعل عابر، بل كان تأصيلاً لمكانة العترة الطاهرة كما ورد في صحيح البخاري (9).
ويذكر الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري أن عمر ترك التوسل بنفسه وبأكابر الصحابة وتوسل بالعباس لإظهار فضل آل بيت النبي (10).
وفي الجانب الفقهي، ذكر ابن حجر الهيتمي في الصواعق المحرقة أن الإمام الشافعي كان يتوسل بأهل البيت ويقول في أبياته المشهورة: (آل النبي ذريعتي، هم إليه وسيلتي) (11).
كما نقل القاضي عياض في كتاب الشفا أن الإمام مالك بن أنس وجه الخليفة المنصور للاستشفاع بالنبي قائلاً: (هو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم) (12).
ويؤكد ابن قدامة المقدسي في المغني استحباب التوسل بالنبي وآله عند زيارة القبر الشريف (13).

المبحث الرابع: دحض الشبهات والردود العلمية من بطون الكتب
يرد علماء أهل السنة على شبهة التفريق بين الحي والميت في التوسل بما أخرجه ابن حجر العسقلاني في فتح الباري وصححه عن قصة الصحابي الذي أتى قبر النبي في زمن عمر وناداه: (يا رسول الله استسق لأمتك) (10).
ويفرق العلماء بين العبادة والتوسل، فالمشركون كانوا يعبدون الأصنام، أما المسلم فلا يعتقد نافعاً إلا الله، وإنما يتوجه بجاه المحبوبين كسبب شرعي كما أوضح ابن الهمام في فتح القدير (14).
ويقول الإمام السبكي في شفاء السقام إن التوسل والاستغاثة بالنبي إلى ربه هو أمر حسن لم ينكره أحد من السلف (15).
وعن شبهة نداء الغائب، ذكر الإمام النووي في كتاب الأذكار أن ابن عمر نادى (يا محمد) عندما خدرت رجله (16)، وهو ما نقله أيضاً في المجموع شرح المهذب (17).
ويرد الإمام السمهودي في وفاء الوفاء على من حصر توسل عمر بالعباس لكونه حياً، موضحاً أن عمر أراد بيان فضل "الجزء الباقي" من شجرة النبوة (18).
كما نجد تأييداً لهذا المسلك في الإنصاف للمرداوي (19)، وروح المعاني للآلوسي (20)، والمدخل لابن الحاج المالكي (21)، وتاريخ بغداد للخطيب البغدادي (22).

الخاتمة والنتائج
إن استقراء المصادر المعتمدة يؤكد أن التوسل والاستغاثة بالأنبياء وآل البيت عليهم السلام هو المنهج الأصيل الذي سار عليه السلف والخلف. إن هذا المسلك هو امتثال لقوله تعالى (قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى).
فالمتوسل يطرق باب الله بجاه أحب الخلق إليه، طمعاً في القبول والرضا.

المصادر والمراجع
  1. لسان العرب، ابن منظور.
  2. جامع البيان في تأويل القرآن، الإمام الطبري.
  3. مفاتيح الغيب (التفسير الكبير)، الإمام الفخر الرازي.
  4. الدر المنثور في التفسير بالمأثور، الإمام السيوطي.
  5. سنن الترمذي، الإمام الترمذي.
  6. المستدرك على الصحيحين، الحاكم النيسابوري.
  7. المعجم الكبير، الإمام الطبراني.
  8. حلية الأولياء، أبو نعيم الأصبهاني.
  9. صحيح البخاري، الإمام البخاري.
  10. فتح الباري شرح صحيح البخاري، ابن حجر العسقلاني.
  11. الصواعق المحرقة، ابن حجر الهيتمي.
  12. الشفا بتعريف حقوق المصطفى، القاضي عياض.
  13. المغني، ابن قدامة المقدسي.
  14. فتح القدير، الإمام ابن الهمام.
  15. شفاء السقام في زيارة خير الأنام، الإمام السبكي.
  16. كتاب الأذكار، الإمام النووي.
  17. المجموع شرح المهذب، الإمام النووي.
  18. وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى، الإمام السمهودي.
  19. الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، الإمام المرداوي.
  20. روح المعاني في تفسير القرآن العظيم، الإمام الآلوسي.
  21. المدخل، ابن الحاج المالكي.
  22. تاريخ بغداد، الخطيب البغدادي.