صندوق امي
ذات مرة اختلستُ النظر إلى منام أمي لأسمع مناجاتها كنت أظن أن النوم يأتيها محملاً بألم الظهر والقدمين اكتشفت أنها كانت تسهر مع صندوقها الخشبي تهمس له وفي كل تنهيدة ومناجاة تضع شيئاً فيه من قلبها ظننتُها أمنياتها أو ما تبقى من كلمات لم تقلها لكنها كانت أشبه بكسرة الخبز التي تعدها لنا بعد صلاة الفجر.
مرت الأيام والصندوق لا يزال على الرف كقلب ثانٍ لها يمدها بالطاقة لتبقى مضيئة ومرت السنوات وحاولت فتحه بذلك الفضول الذي انتابني تلك الليلة حتى استعنت بالسكين بأدوات صغيرة كان أبي يفتح بها علب المعجون وفشلت بعد عدة محاولات
هل كان صندوقاً أم لغة مناجاة لم يصنع لها مفتاح؟ كأن ما وضعته أمي فيه ليس أشياء بل أماني أشياء ولا تُفتح الأماني بالمفاتيح.
مرت الأيام، وكبرت أمي واعتلت العربة بديلاً لقدميها وصار الصندوق بلون الرماد من أثر الغبار حتى سألتها ذات مساء وأنا أمسح الغبار عن وجهها بريش النعام لا عن الصندوق:
– أمي، هذا الصندوق ماذا كان فيه؟
صمتت طويلاً، ثم قالت بصوت لم أسمعه عندما كانت تناجي أبي:
– كان الصندوق الذي أضع فيه ما لا أستطيع حمله وحدي يا بني.
– ولماذا لم تفتحيه؟
فنظرت إليَّ بنظرة كأنها ترى في عينيَّ كل محاولاتي الفاشلة في فهم المغزى، قالت:
– لأن ما يُحمل بالنيابة لا يُفتح باليد
منها أدركت أن أمي كانت كل ليلة تضع في ذلك الصندوق شيئاً من ثقل الغياب لكي تنام وعندما انتابني الفضول لمحاولة فتحه لأحمله عنها دون أن أعلم أن بعض الأثقال لا يُحمَل تترك فقط تترك كصندوق مغلق على الرف
لم أعد أنظر إلى الصندوق كخشبة بل كمرآة كلما حاولت فتحه رأيت وجهي وفهمت أن أمي لم تمنعنا من الاقتراب حرصاً على ما فيه، بل حرصاً على ألا نرى أنفسنا في عينيها وهي تحاول أن تبتلع أحزانها.
بعد مرور تلك السنوات، صرت أضع بجانب ذلك الصندوق كل ليلة زهرة لا أعرف لماذا ربما لأن أمي علمتني أن بعض الأشياء لا تُفتح، تُزهر فقط عندما نناجي بها ربها ولا نرويها لأحد.
رماد
2026.3.23






ذات مرة اختلستُ النظر إلى منام أمي لأسمع مناجاتها كنت أظن أن النوم يأتيها محملاً بألم الظهر والقدمين اكتشفت أنها كانت تسهر مع صندوقها الخشبي تهمس له وفي كل تنهيدة ومناجاة تضع شيئاً فيه من قلبها ظننتُها أمنياتها أو ما تبقى من كلمات لم تقلها لكنها كانت أشبه بكسرة الخبز التي تعدها لنا بعد صلاة الفجر.
رد مع اقتباس
