البقيع في عيون التاريخ



لم تكن مقبرة البقيع مجرد مدفن عادي، بل كانت لوحة معمارية وتاريخية تنطق بقدسية المكان وعظمة من ضمتهم تربتها. كانت قبابها ومشاهدها المقدسة تشكل معلماً حضارياً لا يملك من يراه سوى الوقوف طويلاً أمام إبداعه، وقد سجل الرحالة والمؤرخون تفاصيل مذهلة عن تلك الحقبة.
شهادات الرحالة: كيف كانت قباب البقيع؟
وصف المؤرخون البقيع بدقة متناهية تعكس جمال العمارة الإسلامية آنذاك:
  • ابن جبير: وصف قبري الإمام الحسن والعباس بن عبد المطلب (عليهما السلام) بأنهما "مرتفعان عن الأرض، متسعان، مغشيان بألواح ملصقة أبدع إلصاق، مرصعة بصفائح الصفر، ومكوكبة بمساميره على أبدع صفة وأجمل منظر".
  • ابن بطوطة: وصف قبة الإمام الحسن (ع) بأنها "قبة ذاهبة في الهواء، بديعة الإحكام".
  • السمهودي وابن النجار: ذكرا أنها كانت "قبة شامخة في الهواء، كبيرة عالية قديمة البناء، ولها بابان يفتح أحدهما كل يوم".
  • ريتشارد بورتون: وصف القبة العباسية بأنها "أكبر وأجمل جميع القبب الأخرى"، مشيراً إلى أنها تضم رفات الأئمة الحسن بن علي، وزين العابدين، ومحمد الباقر، وجعفر الصادق (عليهم السلام).

فاجعة الثامن من شوال عام 1344 هـ
في منعطف تاريخي أليم، قام التيار السلفي الوهابي بهدم هذه القبور والمشاهد التاريخية، متجاهلين مشاعر ملايين المسلمين حول العالم. وبقوة السلاح، فُرض هذا الرأي الذي أدى إلى طمس هوية تاريخية إسلامية لا تُعوض.
قائمة المعالم والآثار الإسلامية التي تم هدمها:
شملت حملة الإزالة قائمة طويلة من المواقع التي نعتبرها تاريخاً وهوية لجميع المسلمين، ومنها:
  1. بيوت الأئمة: بيت الإمام زين العابدين وبيت الإمام الصادق (ع).
  2. المشاهد: بيت الأحزان، مشربة أم إبراهيم، ومسجد فاطمة.
  3. القبور التاريخية: قبر إسماعيل بن جعفر الصادق، قبر النفس الزكية، وقبر عبد الله والد الرسول الأعظم (ص).
  4. معالم مكة والطائف وجودة: مولد النبي (ص)، بيت خديجة ومولد فاطمة، قبة ابن عباس بالطائف، وقبة حواء بجدة.
  5. القباب التاريخية: قباب عبد المطلب وأبي طالب، وأم المؤمنين خديجة، وقباب عبد الله وآمنة (أبوي النبي)، وعثمان بن عفان، ومالك إمام دار الهجرة.
  6. آثار أخرى: أثر مبرك ناقة النبي، قبور شهداء بدر، ومسجد السيدة فاطمة بنت الحسين، ودار أبي أيوب الأنصاري.

التناقض في حماية الآثار
من المفارقات المؤلمة التي أشار إليها التقرير، هو الإنفاق السخي (الذي وصل إلى 12 مليون ريال) لصيانة قلعة في الدرعية والحفاظ على مقتنيات الملوك من سيوف وأثاث، في حين تم هدم الآثار النبوية وآثار آل البيت (ع) بحجة "محاربة البدع والشرك".
ردود الفعل والاستنكار الدولي
سجلت دائرة المعارف الإسلامية أن البقيع أصبح "أتعس المقابر حالاً في المشرق" بعد هذه الغزوة. واستنكر المسلمون في أذربيجان، أوزبكستان، إيران، العراق، الهند، والصين هذا العمل الفجيع.
وعبّر العلماء والشعراء عن ألمهم، ومنهم المرجع السيد صدر الدين الصدر بقوله: لعمري إنّ فاجعة البقيع .. يشيب لهولها فود الرضيع وسوف تكون فاتحة الرزايا .. إذا لم نصحُ من هذا الهجوع
خاتمة ومسؤولية
أفتى الفقهاء المعاصرون بلزوم بذل الجهد لإعادة بناء مراقد أئمة البقيع، وألفوا في ذلك الكتب والرسائل، مثل كتاب "ثامن شوال" للسيد عبد الرزاق المقرم. ويبقى المطلب قائماً لجميع المسلمين بضرورة الاستمرار في استنكار هذا العمل والمطالبة بإعادة بناء المشاهد بأحسن ما يكون.

المراجع والمصادر:
(1) البقيع / 23 ؛ دائرة المعارف الاسلامية الشيعية 8 / 265. (2) رحلة ابن بطوطة / 138. (3) التاريخ الأمين / 358. (4) دائرة المعارف الاسلامية الشيعية 8 / 273. (5) كشف الارتياب / 59. (6) الذريعة إلى تصانيف الشيعة 17 / 271.