من اهل الدار
عراقي والهوى خامنا
تاريخ التسجيل: September-2013
الدولة: عنودي
الجنس: ذكر
المشاركات: 10,515 المواضيع: 1,119
صوتيات:
41
سوالف عراقية:
0
مزاجي: برتقالي
المهنة: مدرس
أكلتي المفضلة: دولمة
موبايلي: Samsung A55
آخر نشاط: منذ 2 ساعات
الاتصال:
"الهالاخاه" و"الدارما".. تاريخ "الغرام" الأيديولوجي بين الهند وإسرائيل

مودي (يمين) يلوّح بجانب نتنياهو في متحف ياد فاشيم بالقدس المحتلة 26 فبراير/ شباط 2026 (الفرنسية)
ليس تفصيلا أن يكون رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي هو آخر قائد دولي يلقي كلمة أمام الكنيست الإسرائيلي، قبل ثلاثة أيام من انطلاقة الهجمات الجوية الإسرائيلية الأمريكية المشتركة على إيران نهاية فبراير/شباط الماضي، التي افتتحت يومها الأول بقتل المرشد الأعلى علي خامنئي وثلة من القادة العسكريين والأمنيين.
كانت هذه زيارة مودي الثانية كرئيس وزراء إلى إسرائيل. وتحت حكمه، تحولت الهند إلى أكبر مستورد للسلاح الإسرائيلي في العالم، بل تنامى التصنيع المشترك بين البلدين للصواريخ والمسيّرات وتكنولوجيا التجسس بكل حماسة. تعمقت الشراكة الصناعية العسكرية والأمنية بشكل غير مسبوق في موازاة الحرب التدميرية على قطاع غزة، حيث وفّرت المصانع الهندية لإسرائيل مخرجاً قانونياً وسياسياً لتصنيع معدات بتكنولوجيا إسرائيلية وبتكاليف أقل، بعيداً عن القيود التي قد تفرضها الدول الغربية.
وبينما واجهت إسرائيل تباطؤا في سلاسل التوريد الأوروبية، بقيت القنوات الهندية مفتوحة لتزويدها بهياكل طائرات بدون طيار، وأنظمة دفاعية دقيقة، ومواد دافعة ومتفجرات للمحركات الصاروخية. تحوّلت مسيّرات "هيرميس 900″إلى أحد أبرز رموز الشراكة العسكرية الصناعية بين البلدين. وفي عام 2024، دمجت إسرائيل مسيرات هيرميس المصنعة في حيدر آباد مع أنظمة ذكاء اصطناعي -مثل نظام غوسبل (Gospel)- لتحديد الأهداف وتوجيه الضربات بدقة متناهية، مما جعل المكونات الهندية جزءا من "سلسلة القتل الرقمي".
"بينما واجهت إسرائيل تباطؤا في سلاسل التوريد الأوروبية، بقيت القنوات الهندية مفتوحة لتزويدها بهياكل طائرات بدون طيار، وأنظمة دفاعية دقيقة، ومواد دافعة ومتفجرات للمحركات الصاروخية".
على الجهة المقابلة، استُخدمت برمجيات التجسس الإسرائيلية لمراقبة المعارضين لسلطة مودي في الهند عبر تقنيات متطورة تتيح اختراق الأجهزة عن بُعد دون الحاجة لتفاعل المستخدم. شملت قوائم الاستهداف قادة المعارضة، بدءا من زعيم حزب المؤتمر راهول غاندي، إلى ناشطين في قضايا حقوق الإنسان وحتى بعض القضاة.
كما تعاون الجانب الإسرائيلي مع سلطة نيودلهي لتطوير قاعدة بيانات حيوية للسكان في كشمير. واستفادت الهند في مواجهة حراك الكشميريين من الخبرات الإسرائيلية في إدارة "الإغلاق الرقمي"، أي القدرة على قطع الإنترنت بشكل انتقائي أو مراقبة المحتوى عبر برمجيات ذكاء اصطناعي إسرائيلية. وبالتكامل مع شراكة التصنيع الحربي والشراكة الاستخبارية، جاءت مبادرة غرب آسيا "آي 2 يو 2" (I2U2) عام 2022 كإطار يضم الهند وإسرائيل والولايات المتحدة والإمارات، بهدف تعزيز التعاون الاقتصادي والتكنولوجي، الأمر الذي يعني ربطا للهند بالحلف الذي دشنته "الاتفاقات الإبراهيمية" في منطقة الشرق الأوسط.

مبادرة مجموعة "آي 2 يو 2" (I2U2) عام 2022 جاءت بهدف تعزيز التعاون الاقتصادي والتكنولوجي ما يعني ربطاً للهند بالحلف الذي دشنته "الاتفاقات الإبراهيمية" في منطقة الشرق الأوسط (أسوشيتد برس)
"اليهود الجدد"
في السنوات الأخيرة أيضا، تطورت عملية تجهيز وتصنيع "يهود جدد" في أقصى شمال شرق الهند، وبالذات في ولايتي مانيبور وميزورام، بين الفئة المنتمية إلى قبائل كوكو تشين ميزو المنتمية إلى العائلة التيبتية-البورمية. دأبت تلك القبائل منذ خمسينيات القرن الماضي على تبني ما سمعته من الإثنوغرافيين الكولونياليين والمبشرين البروتستانت من أنها من قبائل بني إسرائيل الضائعة، وبالضبط من سبط "مِنسّى – بني ميناشيه"، وهو فرع مزعوم لواحد من الأسباط الاثني عشر لبني إسرائيل.
وفي عام 1951، ادعى أحد الوجهاء القبليين، ويدعى مارتن تشالتشوانغلا، أنه رأى في المنام أن شعبه يعود إلى أرض إسرائيل، وأعقب ذلك إعادة تركيب للذاكرة الشفوية للجماعة، بحيث أخذت تتعرف على يهوديتها شيئا فشيئا في عاداتها وطقوسها الباقية من زمن ما قبل اعتناقها المسيحية البروتستانتية.
" منظمة شافي إسرائيل المختصة في البحث عن الجماعات التي تدعي أصولا يهودية بذلا جهدا لتهويد بني ميناشيه وتعليمهم العبرية".
كانت هذه الفرقة في البدء أقرب للفرق الإنجيلية الغالية إلا أن منظمة "شافي إسرائيل" (Shavei Israel) التي يقودها مايكل فريند، وهو ناشط يميني إسرائيلي ومساعد سابق لبنيامين نتنياهو تتخص منظمته في البحث عن الجماعات التي تدعي أصولا يهودية ثم تهويدها وتوطينها، بذلت جهداً منظما لتهويدهم وتعليمهم العبرية، إلى أن اعترف الحاخام الأكبر للسفارديم في إسرائيل شلومو عمار رسمياً عام 2005 بأنهم "من نسل إسرائيل"، مما فتح الباب قانونيا لهجرتهم بموجب "قانون العودة"، بشرط خضوعهم لعملية "تهويد كاملة".
ومع اندلاع صراع دموي بين قبائل الميتي والكوكو (الذين ينتمي إليهم بني مينشيه)، استغلت المنظمات الصهيونية هذا النزاع لتسريع نقلهم إلى إسرائيل بحجة حمايتهم من التطهير العرقي. وقد أقرت الحكومة الإسرائيلية مؤخرا خطة مدتها خمس سنوات لنقل من تبقى من المجتمع في الهند (نحو 5800 شخص) بحلول عام 2030، ويجري توزيعهم في المناطق الأكثر خطورة من الناحية الأمنية.
من المفيد هنا المقابلة بين السهولة النسبية في تمرير يهودية هذه الجماعة وبين الإشكالية التي وقعت في إسرائيل عام 1962 حيال طائفة هندية أخرى عرفت باسم "بني إسرائيل" واجهت مشكلة الاعتراف بيهوديتها من طرف الحاخامية الكبرى، إلى أن حسمت القضية لصالح الاعتراف بيهوديتها بعد عامين. عُرف هؤلاء في الهند باسم "شنيوار تيلي"، وهي عبارة تعني "عاصري زيت يوم السبت"، لأنهم كانوا يمتنعون عن العمل وعصر الزيت في يوم السبت التزاماً على غرار اليهود. لاحقا، عملت طائفة اليهود "البغداديين" في الهند لقرون طويلة على تهويد شنيوار تيلي، رغم استمرار التشكيك في يهودية هذه الجماعة، ورفض الصلاة معهم في نفس الكنس أو مصاهرتهم.
وعلى الرغم من أن اعتراف الهند المستقلة بإسرائيل عام 1950 لم يتطور إلى علاقات دبلوماسية ناجزة، إلا أن قنصلية إسرائيل تأسست في مومباي عام 1953 لأجل تسهيل حركة هجرة كل من طائفتي "البغداديين" التجارية و"بني إسرائيل".
https://www.instagram.com/reel/DRhfe...c-17730a372c7c
العقيدة الأمنية بين الهند وإسرائيل
ثقافياً، تشربت السينما الهندية العقيدة الأمنية الإسرائيلية بشكل متنام. كان المنعطف عام 2019 مع فيلم "أوري: الضربة الجراحية" الذي يوثق الرد العسكري على هجوم استهدف معسكرا للجيش الهندي في منطقة أوري بكشمير. فقد روّج الفيلم لصورة الهند التي "تقتحم بيوت أعدائها لقتلهم"، قبل أن يتبنى مودي هذا الشعار في حملاته.
"تشربت السينما الهندية العقيدة الأمنية الإسرائيلية بشكل متنام".
أعلن فيلم أوري أن عصر البطل الرومانسي الشاكي الباكي في أفلام بوليوود قد ولّى، وأن الكلمة من الآن فصاعدا هي للروح القومية العضلية والفحولة المستلهمة من تكتيكات الاختراق الصامت والضرب الاستباقي الإسرائيلية. أظهر الفيلم القوانين على أنها مجرد شكليات إدارية لا يمكن أن تزاحم "الدارما" على الأولوية.
تعني الدارما الالتزام الطوعي بناموس الكون. فالديانات الدارمية كالهندوسية والبوذية والجاينية والسيخية هي التي تنظر إلى الواجب الأخلاقي كانعكاس لقانون أزلي كوني أسمى يخضع له الجميع، وإن دور كل إنسان هو فهم المكان الصحيح الذي يعود له في مراتب هذا العالم. تتوزع الدارما بين ما ينطبق على كل البشر، وما بين دارما فرعية تخص كل طبقة وظرف.
ما يحدث في الهند -وفيلم أوري من الشواهد الثقافية العمومية على ذلك- يعبر عن انقلاب الفرع على الأصل. فالدارما الخاصة بطبقة المحاربين سابقاً بات يراد لها أن تشمل الأمة ككل، ما يعني تعليق الدارما الشاملة لكل البشر، أي ناموس الصدق والصبر والرحمة واللاعنف "الأهيمسا"، كي يحل محلها قيم الفحولة القتالية و"الضرب في العمق".
لا يشكو المايجور فيهان، وهو البطل في فيلم أوري، ولا يتفاوض. وقد تحولت صيحته الشهيرة بالإنجليزية المهندة "كيف هي الحماسة؟" إلى شعار شعبي استخدمه مودي غير مرة. فيهان هو بطل تعبوي بامتياز، لكنه يطبق الدارما القتالية الاستباقية ببرود تكنولوجي وشوق للانتقام. وقد تزامن خروج فيلم أوري إلى الصالات مع الاستعداد لانتخابات 2019، لذلك استخدم الحزب القومي الديني الحاكم بهاراتيا جاناتا (BJP) مقاطع من الفيلم لإظهار حكومته على أنها تحارب الإرهاب بلا هوادة. وبمعنى آخر، جرى ربط الناخبين بالدارما القتالية المصنعة سينمائياً على محك تشرب العقيدة الأمنية الإسرائيلية.

فيلم "أروي" روج لصورة الهند التي "تقتحم بيوت أعدائها لقتلهم" قبل أن يتبنى مودي هذا الشعار في حملاته (آي إم دي بي)
الدولة الهندوسية والدولة اليهودية
أمام الكنيست الإسرائيلي، وعشية انطلاقة الحرب "الهرمجدونية" على الجمهورية الإسلامية في إيران، وقف مودي يقارن بين الهند وإسرائيل، قائلاً: "نحن ننتمي إلى حضارتين عريقتين. وربما ليس من المستغرب أن تكشف تقاليدنا الحضارية أيضا عن توازيات فلسفية". وأردف قائلا إنه في إسرائيل، يتحدث مبدأ "تيكون عولام" عن إصلاح العالم وشفائه، وفي الهند يؤكد مفهوم "فاسوديفا كوتومباكام" أن العالم أسرة واحدة، زاعما أن كلا الفكرتين تتجاوزان حدود الانتماءات المباشرة، وتدعوان المجتمعات إلى التحلي بالتعاطف والشجاعة الأخلاقية.
"تؤكد اليهودية على الهالاخاه، التي تُوجّه السلوك اليومي عبر القانون والممارسة. أما الفلسفة الهندوسية فتتحدث عن الدارما، النظام الأخلاقي الذي يحدد الواجب والفعل القويم. في كلا التقليدين، تُعاش الحياة الأخلاقية بالفعل، ويُعبَّر عن الإيمان من خلال السلوك".
بواسطة مودي في خطابه أمام الكنيست - فبراير/ شباط 2026
بهذا كان مودي يطرح نموذجا للعلاقات الدولية يقوم على ما أسماه "التوازي الفلسفي" بين الهالاخاه اليهودية والدارما الهندية. ورغم أن مقدمة الدستور الهندي تنص على العلمانية، إلا أن مودي يدمج الهند وإسرائيل في نموذج مشترك، هو نموذج الدولة التي يحكمها نظام أخلاقي وديني محدد، أي الدولة الحضارية بالمدلول الإحيائي القومي الديني، لا الدولة-الأمة. يخبرنا ذلك عن سر عمل مودي وحزبه على فرض القومية الهندوسية شيئا فشيئا، وتطويق الالتزام العلماني في الدستور، وهو ما جرت ترجمته عبر تعديل قانون الجنسية، وبناء معبد رام ماندير على أنقاض مسجد بابري الذي دمره أنصار المنظمات القومية-الهندوسية عام 1992.

هندوس فوق مسجد بابري قبل هدمه أواخر عام 1992 (غيتي)
جاء التعديل على قانون الجنسية ليمنح مسارا سريعا للحصول على الجنسية الهندية للاجئين القادمين من باكستان وبنغلاديش وأفغانستان شرط أن يكونوا هندوسا أو سيخا أو بوذيين أو جاينيين أو بارسيين، ما يستثني المسلمين من هذا المسار. وهو ما يناقض الالتزام الدستوري بالعلمانية والمفهوم الذي حاولت أن تكرسه الهند بعد الاستقلال لعلمانيتها على أساس مبدأ "سارفا دارما سامبا"، أي الاحترام المتساوي لجميع الأديان والجمع بين عدم تجاهل الأديان وبين عدم التمييز بين المواطنين على أساس الدين والمعتقد.
أما بناء المعبد في الموقع الذي هُدِم فيه المسجد، وهي حادثة أشعلت نار اقتتال طائفي أودى بحياة ألفي مواطن حينذاك، فجاء ليتوج منطق تحقيق المطلب الديني "الأكثروي" عبر العنف الشارعيّ والتعبئة المتواصلة والضغط على المؤسسة القضائية والتصديق "ولو بعد حين" على هدم التراث المعماري والثقافي. بل هناك في هند اليوم من يطالب بتحويل ضريح تاج محل نفسه إلى معبد هندوسي. يضاف إلى ذلك موجات "غار واسبي" أي "العودة إلى البيت" وتعني ممارسة ضغوط أهلية على فئات من المسلمين والمسيحيين من الطبقات الاجتماعية الفقيرة للعودة إلى ديانة أسلافهم، الهندوسية، كما يُزعم الهندوس المتعصبون.
يقابل ذلك أن القوميين الهندوس يشتكون مما يصفونه بأنه تمييز لصالح المسلمين، إذ تُطبّق عليهم قوانين أحوال شخصية مستقاة من الشريعة في مسائل الزواج والطلاق والإرث، بينما تخضع الأغلبية الهندوسية لقوانين مدنية خاصة (Hindu Personal Law). في خطاب هؤلاء القوميين، يُدرَج ما يطالبون به على أنه سعي إلى فرض العلمانية الشاملة، لا المبتورة. في الوقت نفسه، وعندما أثيرت قضية منع النساء من دخول معبد سابريمالا في ولاية كيرالا بين عامي 2016 و2019، أسند القوميون الهندوس رفضهم العارم لدخول النساء إلى المعبد على أنه من حق إله هذا المعبد، آيابان، كون حقوق الأشخاص بموجب الدستور لا تسري على البشر فقط، بل تمتد إلى الآلهة أيضا، التي تتمتع قانونياً بحقوق القاصر، الذي يجب أن يكون له ممثل قانوني أو وصي، مثل هيئة إدارة المعبد المعني.
"هناك محاولات ذات دافع سياسي لإيجاد مشترك ما بين الهندوسية واليهودية".
يقودنا ذلك إلى محاولات ذات دافع سياسي لإيجاد مشترك ما بين الهندوسية واليهودية. حتى اليوم، لم ينقطع الخلاف بين مؤرخي الأديان، بين من يعتبر أن الهندوسية هي أقدم الأديان الممارسة منذ آلاف السنين إلى اليوم، وبين من يصنفها حديثة التشكل، بل يعيدها إلى القرن التاسع عشر، من خلال عملية تأطير وتجميع مجموعة ديانات جنوب آسيوية مختلفة في مسمى واحد، حيث لم يستخدم المصطلح الجامع "Hinduism" بالإنجليزية إلا في مطلع القرن التاسع عشر، وليس هناك من اسم جامع يفرّق بين "الهندوس" وبين سواهم على نحو قاطع قبل ذلك.
أما الموجات الإحيائية ثم القومية-الدينية فتتعامل مع الهندوسية على أنها الاسم الأجنبي لـ"السانتانا دارما" بالسنسكريتية، وتعني أتباع القانون الأزلي، لتأكيد أن الهندوسية أصلية وأبدية. في الوقت نفسه، فقد ازداد هذا التأصيل السنسكريتي لوحدة الهندوس كأتباع "سانتانا دارما" (Sanatana Dharma)، مع الإصرار على أنهم يشكلون متحد قومي من ناحية، والتشديد في الوقت نفسه على أن الهندوسية هي أم الديانات العالمية من ناحية ثانية. لأجل ذلك ثمة حدود للمقارنة بين العمل على توطيد هندوسية الدولة في الهند وبين التوكيد على يهودية الدولة في إسرائيل.
فاليهودية، مقارنة بالهندوسية، تبدو ديانة لها وحدة نصيّة وعقائدية أوضح رغم تنوّع طوائفها وتراثها. وإسرائيل، بخلاف الهند، لم تكتب دستورا لنفسها، وبالتالي أبقت كل المسائل المتصلة بتعريف ماهيتها مؤجلة. مع ذلك، ففي عرف اليمين القومي الديني في الهند، ثمة "نظام قيمي مشترك" بين المتحدرين من ديانتي العصر القديم إلى اليوم، ولذلك عندما يتحدث مودي أمام الكنيست عن "ديمقراطيات صاغها التاريخ" فهو يشير إلى أن ما ينبغي أن يجمع بين الهند التي يحرص على استحضار اسمها المعادل بالسنسكريتية، المكرس في مقدمة الدستور الهندي، أرض بهارت، وبين إسرائيل، هو كونهما "دولتين حضاريتين" تحييان ممالك مقدسّة كانت موجودة قبل آلاف السنين.
توسيع القواعد
داخليا في الهند، ينظر أنصار اليمين القومي الديني في الهند إلى أيديولوجيتهم، الهندوتفا، على أنّها قادرة على المواءمة بين التحديث الاقتصادي وبين التصالح مع الجذور الثقافية للأكثرية الهندوسية. وفي مقابل التشدد حيال غير الهندوس، وتحديداً حيال المسلمين، تسعى الهندوتفا لإظهار قدرتها على تحقيق اندماج اجتماعي أكبر في البوتقة الهندوسية، لاسيما لأبناء الطبقات السفلى ضمن هرمية نظام الطبقات الوراثية-الدينية. الأساس الاجتماعي – الاقتصادي لخطاب حزب بهاراتيا جاناثا يقضي بتوسيع قاعدة المستفيدين من التحديث الاقتصادي الحاصل على أن يحدث ذلك ضمن مجتمع الأكثرية الهندوسية.
يغري هذا بعقد مقارنة مع خطاب اليمين الإسرائيلي، الذي سعى منذ السبعينيات، لاستمالة اليهود الشرقيين-المزراحيم وتحسين وصولهم إلى الإسكان والتعليم ووظائف الدولة ودعم خصوصياتهم الفنية والثقافية. لم يلغ ذلك الطابع الأشكينازي أولاً لليكود، مثلما لا يلغي الخطاب "التوزيعي" باتجاه الطبقات الدنيا في الهرمية الهندوسية تحكم المتحدرين من الطبقات العليا، لاسيما من البراهميين، بقيادة كل من حزب بهاراتيا جاناتا ومنظمة المتطوعين القومية، رغم كون مودي نفسه منحدرا من الطبقة الرابعة الأدنى، الشودرا.
مع هذا، ورغم توظيف صورة مودي كابن لطبقة فقيرة (الشودرا – طبقة العمال والخدم والفلاحين البسطاء)، ولأجل توحيدهم وجدانياً بإزاء المسلمين وغير الهندوس عموماً، فإن فئات من الطبقات الدنيا قد شعرت بتهميش أكبر في هذه الفترة، بل زادت حوادث الاعتداء عليهم، ولم تعوّض عن ذلك سياسة "المستفيدين" (لابهارتي)، حيث تعطي الحكومة مساعدات اجتماعية لتعويض عجزها عن خلق وظائف جديدة.
"كما أن السؤال حول تعريف اليهودي لا يزال يمثل أرضية للتوتر المجتمعي في إسرائيل، فإن السؤال حول هوية الهندوسي يثير نصيبه من التوتر في الهند".
لأجل ذلك، يترسخ التوتر بين حراك المتحدرين من طبقة الداليت (المنبوذين)، وبين سياسات اليمين القومي الديني، ناهيك عن التوتر بين الطابع "الآري" لهذا اليمين، وبين حساسية هندوس الجنوب "الدرافيديين" (لاسيما التاميل) بوجه هندوس الشمال. من هنا، وكما أن سؤال "من هو اليهودي؟" لا يزال يمثل أرضية للتوتر المجتمعي في إسرائيل، فإن سؤال "من هو الهندوسي؟" يثير نصيبه من التوتر. في غضون ذلك، يسعى اليمين القومي الديني في الحالتين إلى تقديم جواب على هذا السؤال من خلال تحديد رقعة الانتماء من خلال الولاء لكل من هندوسية الدولة ويهودية الدولة.

يرتبط مسعى "الهندوتفا" لتوطيد معادلة "الهند للهندوس" بتحقيق اندماج اجتماعي ثقافي أعمق ضمن هذه البوتقة. لكن ذلك يصطدم بالتصدّع البنيوي لحركة التحديث الاقتصادي. لقد شهدت الهند تسارعاً واتساعاً في النمو، بحيث قفز فيها الاقتصاد الهندي من المركز العاشر عالمياً في عام 2013 إلى المركز الخامس حاليا، وعرفت طفرة هائلة في بناء الطرق السريعة، وتحديث السكك الحديدية، وتضاعف عدد المطارات، وفُتحت فيها مئات الملايين من الحسابات البنكية للمهمشين.
في المقابل، زاد الاحتقان الاجتماعي، لأن النمو الهندي كان سريعاً في المدن الكبرى مثل مومباي وبنغالور، وبالأخص في القطاع الرقمي والتقني، لكنه لم يخلق العدد المأمول من الوظائف، فلا تستفيد منه العمالة بالقدر الكافي. فلا تزال الهند قارة ريفية-زراعية بامتياز. فحوالي 65% من السكان يعيشون في الأرياف. هذا بخلاف الصين، حيث كانت الحال كذلك إلى عقود خلت، في حين بات أكثر سكانها اليوم يعيشون في المدن. وفي حين تتسم الزراعة الصينية بالإنتاجية العالية وتقنيات الري الحديثة، يعتمد أكثر الزراعة في الهند على الري الموسمي، والأدوات التقليدية.
في كل من الهند وإسرائيل، ثمة أيديولوجيا تسعى من خلال إثارة الخوف من التهديد القومي الديني لهوية الدولة، لمواجهة تصدع مجتمعي متعدد الأوجه، يتصل بثنائيات براهمن وداليت وآريين ودرافيديين وحضريين وريفيين في الهند، وبثنائيتي أشكينازيم ومزراحيم، ومجتمع تل أبيب في مقابل مجتمع المتدينين ومستوطني الضفة، في حالة إسرائيل.
معبد أيوديا وإعادة بناء الهيكل
المفارقة أن اليمين الهندي واليمين الإسرائيلي ينظر كل واحد منهما إلى الآخر كنموذج. هذا سبق الآخر في أشياء، وذاك سبقه في أشياء أخرى. يرى أنصار الهندوتفا في إسرائيل نموذجاً ناجحاً لتحويل الرابطة الدينية إلى رابطة قومية، نجحت في إحياء اللغة القديمة والمقدسة، وهو ما توازيه مرجعية اللغة السنسكريتية، مع الاكتفاء عند الهندوتفا بالتشجيع على تغليب لغة "الهندي" على بقية لغات شبه القارة، كونها الأقرب للسنسكريتية، وليس بعث الأخيرة كلغة محكية شعبية شاملة.
وترى الهندوتفا إلى إسرائيل كتجربة ناجحة في تطوير التكنولوجيا والزراعة في مناطق صعبة، بل كانت الزراعة من عناوين التعاون بين البلدين الأساسية حتى في المدة السابقة على وصول مودي إلى الحكم، حيث تنظر الهند إلى إسرائيل كمدرسة نموذجية في أسلوب التصرف بالمياه وزيادة الإنتاجية والري الذكي وإدارة التربة والتسميد الدقيق ونقل مزروعات لم تكن معروفة بالهند، كالزيتون، من إسرائيل.
"يرى أنصار الهندوتفا في إسرائيل نموذجا ناجحا لتحويل الرابطة الدينية إلى رابطة قومية".