هذا النبات لا يكتفي بردود الفعل المباشرة، بل قد يكون قادرا على تتبع تتابع أحداث معينة في بيئته (شترستوك)


أثارت دراسة حديثة اهتمام العلماء بعدما قدمت دليلا مثيرا على أن بعض النباتات قد تمتلك قدرة أولية على "عد" الأحداث البيئية التي تمر بها، وهو ما يفتح بابا جديدا لإعادة التفكير في معنى الذكاء والتعلم خارج عالم الأدمغة والأعصاب.
وتركزت الدراسة على نبات "ميموزا بوديكا" أو "الحساسة"، المعروف بأوراقه التي تنكمش عند اللمس أو الاهتزاز، وهو سلوك لطالما جعله نموذجا مفضلا لفهم كيف تستجيب النباتات للعالم من حولها.


هذا النبات معروف بأوراقه التي تنكمش عند اللمس أو الاهتزاز (شترستوك)

قدرة على العد

وتشير النتائج، التي نشرت في دورية "كوجنتف ساينس" (Cognitive Science) إلى أن هذا النبات لا يكتفي بردود الفعل المباشرة، بل قد يكون قادرا على تتبع تتابع أحداث معينة في بيئته، على نحو يشبه شكلا بدائيا من التعلّم.
واعتمد الباحثان بيتر فيشتون وبايج بارتوش على تعريض نباتات الميموزا لدورات متكررة من الضوء والظلام داخل بيئة تجريبية محكمة. ففي المرحلة الأولى، خضعت النباتات ليومين متتاليين من 12 ساعة ظلام و12 ساعة ضوء، ثم يوم ثالث استمر فيه الظلام من دون إضاءة.
وبعد تكرار هذا النمط عدة مرات، بدأت النباتات تُظهر حركة أكبر في فترة ما قبل الفجر في الأيام التي كان الضوء متوقعا فيها، بينما لم تظهر النمط نفسه في اليوم الثالث حين استمر الظلام. ورأى الباحثون أن هذا السلوك يوحي بأن النبات لم يكن يتفاعل مع اللحظة فقط، بل صار يتوقع نمطا متكررا في البيئة المحيطة.
ولم يكتف الفريق بهذه الملاحظة، بل حاول اختبار تفسير بديل، وهو أن النبات ربما لا يعدّ الأحداث، بل يعتمد فقط على ساعته البيولوجية اليومية المعروفة لدى النباتات. ولهذا السبب، غير الباحثون طول الدورة الزمنية نفسها، فقلصوها من 24 ساعة إلى 20 ساعة، ثم أجروا تجربة أخرى أكثر تعقيدا جعلوا فيها مدة كل دورة ثلاثية تتغير عشوائيا بين 10 ساعات و32 ساعة.
وهنا ظهرت نتيجة لافتة؛ إذ إن النمط السلوكي للنبات ظل قائما فقط عندما بقيت الدورات ضمن نطاق يتراوح بين 12 و24 ساعة، بينما انهار عندما أصبحت أقصر من ذلك أو أطول.
وهذا ما دفع الباحثين إلى القول إن أبسط تفسير لهذه النتائج هو أن النبات يتتبع عدد مرات التعرض للضوء، وليس مجرد مرور الزمن في حد ذاته.

ما الذكاء؟

وتكتسب هذه النتائج أهميتها من أنها تمسّ واحدة من أكثر المسلمات رسوخا في العلوم الإدراكية، وهي أن الذاكرة واتخاذ القرار والتعلم تتطلب وجود عصبونات أو دماغ.
فالنباتات، بطبيعتها، لا تمتلك أيا من ذلك، ومع ذلك توحي هذه التجارب بأنها قد تنفذ نوعا من معالجة المعلومات يسمح لها بتمييز الأنماط والتصرف بناء عليها.
ولا يعني هذا بالطبع أن النباتات "تفكر" كما يفكر الإنسان أو الحيوان، لكنه يعني أن الحدود التقليدية بين الكائنات التي نعدها "ذكية" وتلك التي نراها مجرد كائنات انعكاسية قد تكون أقل صلابة مما تصورنا طويلا.