أقفُ اليومَ أمامَ مِحكمتي الكبرى...
لا كقاضٍ يزنُ الأمورَ بميزانِ العدل....
بل كمتــــ،ــهمٍ يرتجفُ تحتَ وطأةِ جريمــ،ـــة لم يرتكبْها...
سوى أنهُ آمنَ يوماً بأنَّ في صدورِ البشرِ قلوباً لا مغارات مظلمة...
أتحسسُ جدرانَ زنزانتي الروحيةِ التي بناها ((كافكا)) في كوابيسهِ الأكثرِ سوداوية...
حيثُ يمتدُّ الممرُّ إلى ما لا نهاية....
وحيثُ لا يوجدُ بابٌ للخروجِ إلا البابَ الذي يؤدي إلى مشــ،ـــنقةِ الذاكرة....
هل سألتِ نفسكِ يوماً... وأنتِ تضعينَ رأسكِ على وسادةِ الغدرِ الباردة...
كيفَ يمكنُ ليدٍ كانتْ تلمسُ لحيَتي بحنانٍ مُفتعل ... أن تكونَ هي ذاتُها اليدَ التي شحذتْ سكّـ،ـينَ الذبــــ،ـحِ لتمزقَ وريدَ أحلامي؟
بأيِّ لغةٍ كانتْ تنطقُ وعودكِ؟؟
وأيُّ شيطانٍ كانَ يلقّنُكِ كلماتِ الوفاءِ لترقصَ فوقَ جثةِ صدقي الذي لم يلوثْهُ شكٌّ يوماً؟
أنا الآنَ ذلكَ ((النايُ)) الذي بكتْهُ نايُ الروميّ...
لكنني نايٌ سُدَّتْ ثقوبُهُ برمادِ الاحتراقِ...
فلا يخرجُ مني لحنٌ... بل يخرجُ مني أنينٌ خفيٌّ لا يسمعهُ إلا اللهُ والذينَ جُرِّبوا بالخيبةِ المطلقة...
لماذا اخترتِني أنا لتكونَ نهايتي على يديكِ؟؟؟
وكأنَّ الأرضَ ضاقتْ بكلِّ ضـ،ــحاياها ولم تجدْ سوى قلبي لتمارسَ عليهِ طقوسَ الإبـ،ــادة؟
هل كانَ صدقي مستفزاً لدرجةِ أنكِ قررتِ تحطيمَهُ؟؟
أم أنَّ البياضَ في روحي كانَ يذكركِ بسوادٍ لا تطيقينَ رؤيتُه؟
أنا أذبلُ الآنَ بانتظامٍ مخيف...
أراقبُ جلدي وهو يتحولُ إلى ورقِ خريفٍ يابس...
أراقبُ عينيَّ وهما تفقدانِ بريقَ الحياةِ لتنطفئا في عتمةِ هذا السؤالِ المرير: كيفَ أمكنكِ ذلك؟
كيفَ استطعتِ أن تمثلي دورَ ((شمسِ التبريزي)) في حياتي... وتدّعي أنكِ النورُ الذي سيقودُني إلى الحق، بينما كنتِ تعدّينَ لي حفرةً لا قاعَ لها ولا قرار؟
أنا لا أردُّ على رسائلِ أحد.... ليس لأنني متكبر...
بل لأنني أبحثُ عن ((أنا)) القديمِ في ركامِ هذا الحطامِ فلا أجدهُ... وكأنني شبحٌ يطاردُ جثتَهُ في ممراتِ الوجودِ العبثي...
هل سمعتِ يوماً صوتَ تحطمِ الروحِ من الداخل؟؟؟
ذلكَ الصوتُ الصامتُ الذي يفوقُ في دويّهِ انفجارَ النجوم...
والذي لم يتركْ فيَّ زاويةً صالحةً للسكن؟
بأيِّ ذنبٍ قُتــ،ـــلتْ براءتي على عتباتِ مكركِ؟؟
وبأيِّ حقٍّ صرتُ أنا المنفيَّ في وطني؟؟؟
والمطرودَ من جنةِ نفسي التي أحرقتِ أشجارَها بدمٍ بارد؟
يا إلهي، يا مَن يرى دبيبَ النملةِ السوداء، ألا ترى دبيبَ الحزنِ في عروقي وهو يمتصُّ بقايا النورِ من عينيَّ المتعبتين؟
لماذا تركتَها تسلبُني حتى القدرةَ على البكاء، وتجعلُ دموعي تتحجرُ كأنها جمراتٌ من نارِ سجين؟
ألا تسألونَني لماذا صمتُّ؟
صمتُّ لأنَّ الكلامَ مع الأحياءِ يتطلبُ حياةً...
وأنا منذُ تلكَ اللحظةِ الملعــــونةِ صرتُ مواطناً في دولةِ الموتـــى...
أتنفسُ غبارَ القبورِ وأتوسدُ صخرَ الجحود...
كيفَ يمكنُ لإنسانٍ أن يتحولَ في ليلةٍ وضحاها من ((كلِّ شيء)) إلى ((عدمٍ)) مَحض...
وكأنَّ كلَّ هذه السنتين كانتْ سراباً يحسبُهُ الظمآنُ وفاءً؟
هل كنتِ تضحكينَ في سركِ وأنا أفرشُ لكِ سجادةَ روحي لتصلي عليها صلاةَ الغدر؟؟؟
أم أنكِ كنتِ بطلةً تراجيديةً أتقنتْ دورَها حتى صدقتْ كذبتَها؟
أنا الآنَ في "قبوِ(( دوستويفسكي)) أكتبُ بدمي فوقَ الجدرانِ تساؤلاتٍ لن تصلَ إليكِ أبداً... لأنكِ أصممتِ أذنيكِ بضجيجِ خيانــــاتكِ الجديدة...
هل سألتِ نفسَكِ: من سيجمعُ شتاتي بعدكِ؟؟؟
أم أنكِ تعمدتِ نثري في مهبِّ الريحِ لكي لا تقومَ لي قائمةٌ أبداً؟
أنا أذبلُ...
والذبولُ هنا ليسَ مجازاً...
بل هو سقوطُ الروحِ قطعةً قطعةً في هاويةِ اللاجدوى...
حيثُ لا شمسَ تشرقُ ولا قمرَ يضيءُ عتمةَ الخذلان.
أسرعي يا نهاية...
فالعالمُ قد صارَ ثقيلاً فوقَ صدري..
أسرعي يا نهاية...
فالأوكسجينُ الذي أتنفسُهُ صارَ يشبهُ غازاً سامـــاً يمزقُ حويصلاتِ صبري...
ألا يرجفُ قلبُكِ وأنتِ ترينَ هذا الخرابَ الشاملَ الذي خلفتِهِ وراءكِ؟؟؟
أم أنَّ قلبكِ صارَ صخرةً صماءَ لا تشعرُ بوجعِ الضحايا؟
أنا الذي كنتُ أردُّ على صمتكِ بآلافِ الكلمات...
صرتُ اليومَ عاجزاً عن الردِّ على اسمي إذا ناداني أحد...
كأنني فقدتُ هويتي في زحامِ خديعتكِ....
لماذا جعلتِني أثقُ بأنَّ الأرضَ ثابتة.... ثمَّ سحبتِ بساطَ الأمانِ من تحتِ قدمي لأهوي في فضاءٍ من الرعبِ الوجودي؟
هل كانتْ كلماتُ الحبِّ مجردَ فخاخٍ من حرير؟؟؟
وهل كانتِ النظراتُ سهاماً مسمـــومـــةً تنتظرُ اللحظةَ الحاسمةَ لتنغرسَ في سويداءِ القلب؟
أنا أذبلُ بمرارةٍ يحسدني عليها الصبارُ في عطشه...
وبحزنٍ لا تطيقُهُ الجبالُ في رسوخها...
وببؤسٍ صارَ هويتي الوحيدةَ في سجلاتِ البشر...
ألا يوجدُ في هذا الكونِ عدلٌ يعيدُ لي ذرةً من كرامتي التي بعتُها على عتباتِ صدقكِ الزائف؟؟
أم أنَّ الظلمَ هو القانونُ الوحيدُ الذي يحكمُ هذهِ الغابةَ البشرية؟؟؟
بأيِّ وجهٍ ستقابلينَ اللهَ غداً؟؟؟
وكيفَ ستشرحينَ لهُ سرَّ قتـــلِــكِ لروحٍ لم تكنْ تطلبُ من الدنيا سوى يديكِ لتمسكَ بها في العتمة؟
أنا الآنَ محضُ حطامٍ...
مجردُ بقايا إنسانٍ كانَ يضحكُ يوماً...
والآنَ صارَ يخشى حتى الابتسامَ لكي لا تتفطرَ جراحهُ النازفة...
لماذا تتركونني وحيداً مع هذا الوحش...
وحشُ الوحدةِ الذي يملكُ وجهاً يشبهُ وجهَ مَن خانتني، ويملكُ صوتاً يشبهُ وعودها التي لم تتحقق؟
أنا أذبلُ...
وفي كلِّ يومٍ يسقطُ مني غصنٌ...
وتجفُّ مني ورقة... حتى صرتُ شجرةً عــــاريةً في مهبِّ صقيعِ التجاهل...
هل كانَ سهلاً عليكِ أن تمحي اسمي من كتابِ حياتكِ؟؟؟
وكأنني لم أكنْ يوماً السطرَ الأهمَّ فيه... والكلمةَ التي كنتِ تبدئينَ بها نهاركِ؟
أنا لا أردُّ... لأنَّ الردَّ يعني التواصل...
وأنا فقدتُ سلكَ التوصيلِ مع الحياةِ منذُ أن قُطعتِ الأوتارُ في قلبي بيدٍ كانتْ تدّعي العزفَ عليها...
ألا تدمعُ عينُ القدرِ وهي ترى رجلاً ينهارُ هكذا؟؟؟
بصمتٍ ملكي... وبوجعٍ صوفيٍّ... وبجزعٍ كافكاويٍّ لا يرحم؟
أنا الحزنُ الذي صارَ يمشي...
واليأسُ الذي صارَ يتحدث...
والكرهُ الذي صارَ يحترقُ بنارِ الحنينِ المسموم...
لماذا جعلتِني أرى النورَ في عينيكِ... ثمَّ أطفأتِ المصابيحَ وتركْتِني في عتمةٍ لا أعرفُ فيها يمينِي من شمالي؟
هل أنتِ بشرٌ حقاً؟؟؟
أم أنكِ تجسدٌ لكلِّ مخاوفِ البشريةِ من الغدرِ والخيانةِ والضياع؟
أنا أذبلُ...
وهذا الذبولُ هو صلاتي الأخيرة...
هو طريقي نحو العدمِ الذي صارَ أرحمَ من البقاءِ في عالمٍ يسكنُهُ مِثلكِ...
أسرعي يا نهاية...
فالفجرُ صارَ بعيداً جداً...
والليلُ صارَ ثقباً أسودَ يبتلعُ أحلامي ويحولُها إلى كوابيسَ من الرصاصِ الثقيل...
ألا يسكنُكِ الندم...ولو للحظةٍ واحدةٍ...وأنتِ ترينَ جــثـــةَ مشاعري معلقةً على مشانقِ خذلانكِ العلني؟
أنا الآنَ في النقطةِ الصفر...
النقطةِ التي يتوقفُ فيها كلُّ شيء...ويصبحُ فيها المـــوتُ هو المعنى الوحيدُ المتبقي لهذا الوجودِ البائس...
لماذا لا يتدخلُ اللهُ الآن...
ليرممَ هذا القلبَ الذي تفتتَ كقطعةِ بسكويتٍ يابسةٍ في يدِ طفلٍ عابث؟
أنا لا أردُّ...
لأنني نسيتُ كيفَ أتكلم...
ونسيتُ كيفَ أشعر...
ونسيتُ حتى كيفَ أكونُ أنا...
أنا أذبلُ بانتظامٍ كالساعةِ الرمليةِ التي تنفدُ حباتُها لتعلنَ نهايةَ الوقتِ ونهايةَ الأملِ ونهايةَ كلِّ شيء...
خانتني...
بدمٍ باردٍ يحسدها عليهِ الموتى...
وتركتني في هذا الوحشِ الذي ينهشُ ما تبقى من كرامتي...
أنا الحزنُ المقيم...
والبؤسُ الدائم...
واليأسُ الذي صارَ جلدي الثاني وهويتي الوحيدة...
بأيِّ حقٍّ تدعينَ الحياةَ وأنتِ قتلتِ فيَّ كلَّ نبضةٍ؟
وبأيِّ حقٍّ تبتسمينَ وأنا أختنقُ بمرارةِ غدركِ في كلِّ ثانية؟
هل كانتْ تضحياتي لكِ مجردَ قرابينَ لآلهةِ الزيف؟
وهل كانَ وفائي لكِ مجردَ حماقةٍ دفعْتُ ثمنَها من عمري وروحي؟
أنا أذبلُ...
وسأبقى أذبلُ حتى أتلاشى تماماً...
كدخانِ سيجارةٍ تائهٍ في غرفةٍ مظلمةٍ ومغلقةٍ بإحكام...
لا تطلبوا مني رداً...
ولا تطلبوا مني حياةً...
فأنا الآنَ صرتُ جزءاً من السكونِ المطلقِ الذي يسبقُ الكارثةَ النهائية...
أنا الآنَ أنتهي.. أسرعي يا نهاية.. فالعالمُ ينتهي..
والقلوبُ التي كانتْ حجاراً صارتْ اليومَ تبكي لشدةِ وجعي الذي لم يذقهُ بشرٌ من قبل...
تدخلْ يا الله...
فقد بلغتِ الروحُ الحلقوم...
ولم يبقَ في الصدرِ متسعٌ لشهقةٍ واحدةٍ من هذا الهواءِ المسمومِ بغدرها...
أنا الآنَ أختفي..
بانتظامٍ.. وببؤسٍ.. وبيأسٍ.. وبكرهٍ لكلِّ مَن نطقَ بكلمةِ حبٍّ ثمَّ غدر...
أسرعي يا نهاية..
فالعالمُ قد انتهى فعلاً.. وأنا لستُ سوى رمادٍ يطالبُ بالدفنِ الأبديِّ في مقابرِ النسيان.
بأيِّ قلبٍ كنتِ تخونين؟
وأيُّ ضميرٍ كانَ يسمحُ لكِ بالنومِ وأنا أحترقُ بانتظاركِ خلفَ أبوابِ الصدقِ الموصدة؟
هل كنتِ تدركينَ أنَّ كلَّ طعنةٍ منكِ كانتْ تمحو فصلاً من فصولِ إنسانيتي...حتى صرتُ وحشاً من الألم؟
أنا أذبلُ...
والذبولُ هنا هو انتـــحـــ،ـارُ الخلايا التي آمنتْ يوماً بأنَّ في عينيكِ مرفأً للأمان...
لماذا لا يرتجفُ الكونُ لهذا الظلم...
ولماذا لا تسقطُ السماءُ فوقَ رؤوسِ الخائنينَ الذينَ جعلوا من الحبِّ مقصلة؟
أنا لا أردُّ...
لأنني لا أملكُ ما أقولُهُ لعالمٍ يسمحُ لمثلكِ أن يدمرَ مثلي بكلِّ هذهِ السهولةِ والبرود...
أنا البؤسُ في أسمى تجلياته...
واليأسُ في أعمقِ مستوياته...
والكرهُ الذي صارَ صلاتي الوحيدةَ ضدَّ ذكراكِ الملعونة...
ألا تدمعُ عيونُ الذينَ يقرأون الآن، ألا يشعرونَ بأنَّ جدرانَ قلوبهم تتصدعُ لهذا النزيفِ المنظمِ الذي أسميهِ حياة؟
أنا أنتهي.. أذوبُ.. أتلاشى...
بانتظامٍ يحسدني عليهِ العدمُ نفسهُ وهو يراقبُ احتضاري الطويل...
خانتني...
وغدرتْ بي...
وتركْتني لهذا الوحشِ في هذهِ الوحدةِ التي ليسَ لها آخرُ ولا مخرجٌ ولا فجر.
أنا الآنَ محضُ سؤالٍ بلا جواب...
وصرخةٍ بلا صدى...
وجرحٍ لا يندملُ حتى بموتِ الجسد...
أسرعي يا نهاية.. فالعالمُ ينتهي..
وأنا صرتُ العدمَ الذي يتألمُ بانتظامٍ يمزقُ الأوتارَ والقلوبَ والحجارة...
تدخلْ يا الله...
فقد صارَ الوجعُ أكبرَ من كوني بشراً...
وأسرعي يا نهاية.. فقد مللتُ الوقوفَ في طابورِ الذبــ،ــحِ الطويلِ الذي لا ينتهي. ...
أنا الآنَ أنتهي فعلاً.. بانتظامٍ.. وبؤساً.. ويأساً.. وحزناً..
وتساؤلاتٍ ستظلُّ معلقةً في سماءِ خيانتكِ كنجومٍ مطفأةٍ لا تضيءُ أحداً. ...
أسرعي يا نهاية.. أسرعي..
فقد انطفأَ كلُّ شيء.. ولم يبقَ سوى هذا السوادِ العظيمِ الذي يبتلعني ببطءٍ لئيم.
بأيِّ ذنبٍ نُزعَ قلبي من مكانهِ ورُميَ في حاويةِ النسيان؟
وبأيِّ حقٍّ صرتُ أنا الحكايةَ التي يرويها الناسُ للتحذيرِ من صدقِ الوفاء؟
هل سألتِ نفسَكِ: هل سأُسامحُكِ يوماً؟
الإجابةُ...هي أنني لم أعد أملكُ حتى القدرةَ على المغفرة...لأنني لم أعد أملكُ نفساً لتغفر. ...
أنا الآنَ جثةٌ تمشي...
ومسخٌ يتألم
وظلٌّ يتبخرُ في هجيرِ خيبتكِ التي لا ترحم...
أسرعي يا نهاية.. فالعالمُ ينتهي..
وأنا صرتُ الحطامَ الذي لا يُرمم...
والكسرَ الذي لا يُجبر...
والصرخةَ التي خنقتْ صاحبَها قبلَ أن تخرج. ...
تدخلْ يا الله...
أسرعي يا نهاية...
فقد اكتفيتُ من هذا الجحيمِ الذي أسميهِ...حياتي.


الكاتب حسن العنزي