يكاد يستحيل تصوّر هذا المشهد في العصر الحديث: جيش يتحرك عبر القارات دون خطوط إمداد، دون مستودعات، دون قوافل طعام. ومحاربون يقضون شهرًا في البرية يعيشون على شيء واحد هو حليب الخيول التي يمتطونها.
تبدو هذه الصورة الآن كأنها خيال حربي، لكنها كانت الواقع اليومي للإمبراطورية المغولية في القرن الثالث عشر؛ وهو السر الذي تحاول الباحثة المصرية فاطمة زيدان فك شفرته في كتابها الصادر حديثًا "الخيول في الدولة المغولية".
الكتاب رحلة في حضارة لا يدرك القارئ العربي عادة إلا وجهها المدمر -تلك الوجوه المغولية التي تطل من بين أعمدة بغداد المحترقة عام 1258/656-. لكن زيدان تختار مدخلًا آخر: الحصان، لا السيف. البنية الذهنية، لا حصيلة الضحايا. وهو خيار أقرب إلى الأنثروبولوجيا منه إلى التأريخ التقليدي، وأوسع أفقًا من كلتيهما.
تغطي الباحثة الفترة الممتدة بين عامي 1202 و1260، من ذروة الصعود المغولي حتى معركة عين جالوت التي أوقفت الزحف الذي بدا لا يرد. لكن الكتاب لا يقف عند الخريطة السياسية، بل يغوص في ما هو أعمق: كيف تحول الحصان من حيوان إلى فكرة.
وقود إمبراطورية
وفي سياق متصل يمنحنا المؤرخ موريس روسابي من جامعة كولومبيا، الذي وصف الخيول المغولية بأنها "الصواريخ البالستية العابرة للقارات في القرن الثالث عشر"، أرقامًا تستوقف الخيال: كل مقاتل مغولي كان يصطحب ما بين ثلاثة وثمانية خيول. إذا افترضنا جيشًا من مئة ألف مقاتل -وهو رقم معقول في الحملات الكبرى- فنحن أمام ما بين ثلاثمئة ألف ومليون حصان تتحرك معًا، تأكل وتشرب وترعى في الوقت ذاته.
هذا الرقم وحده يفسر ما بدا تاريخيًا لغزًا: كيف تمكن المغول من قطع مسافات شاسعة بسرعة لم تعرفها الجيوش المعاصرة؟ الإجابة في نظام تبديل الخيول المستمر الذي جعل قافلة المقاتل الواحد أشبه بمحطة بريد متنقلة.
وهذا بالضبط ما حوله جنكيز خان لاحقًا إلى بنية تحتية للإمبراطورية: نظام اليام، الذي طوّره ابنه أوقطاي خان حتى بلغ في عهد قوبلاي خان أكثر من عشرة آلاف محطة توزعت عبر آسيا بأسرها، تضم خمسين ألف حصان في الصين وحدها. وهكذا كانت رسالة تستغرق مئة يوم تصل في عشرة فقط، وكان هذا الإنترنت قبل الإنترنت بسبعة قرون.
مهرجان نادام الثاني عشر 2007، في منطقة منغوليا الداخلية ذاتية الحكم، شمال الصين (غيتي إيميجز)
الحصان المغولي معجزة بيولوجية
تفرق زيدان في كتابها بين الخيل بوصفها أدوات وبوصفها كائنات مختارة بعناية لتناسب بيئة بعينها. والحصان المغولي -هذا القصير الذي لا يتجاوز ارتفاعه 140 سنتيمترا والذي يكاد يبدو متواضعا بجانب الخيول الأوروبية والعربية- لا يعبر مظهره عن حقيقته.
يعيش في درجات حرارة تتراوح بين 40 تحت الصفر و40 فوقه، يحفر بحوافره عبر 40 سنتيمترا من الثلج بحثا عن العشب، ولا يحتاج حبوبا ولا إسطبلات ولا بيطريا، ويمتلك وفق دراسات علم الوراثة الحيوانية أعلى تنوع جيني بين جميع سلالات الخيول في العالم، مما منحه مناعة نادرة وتكيفا لا حدود له.
المقارنة مع الحصان الأوروبي الحربي -ذلك العملاق الباهظ الثمن الذي يحتاج علفا مدروسا وإسطبلا محروسا وتدريبا متخصصا- مقارنة توضح بجلاء لماذا كان الفارس المغولي يملك على الدوام جيشا جاهزا حين كان غيره يعتني بخيله.
فارس منغولي يحمل العلم الوطني بانتظار مشاركة أطفال في سباق خيل مهرجان نادام (أسوشيتد برس)
الحصان روحيا عند المغول
لكن زيدان لا تكتفي بهذا البعد العسكري-اللوجستي. قيمة الكتاب الحقيقية تكمن في استكشاف الطبقة الأعمق: الحصان في المخيلة الروحية المغولية.
في الديانة المغولية القديمة -التنغرية- لم يكن الحصان حيوانا بل وسيطا، أو "الشامان" الذي أراد الصعود إلى عالم الأرواح ركب حصانا، حقيقيا أو رمزيا. طبله صنع من جلد الحصان، وكان يسمى "حصانه الروحي".
حين مات جنكيز خان عام 1227، ذبح 40 حصانا على الأقل لتشييعه إلى ما وراء الحياة، ووثق المسافر الفرنسيسكاني ويليام روبروك، الذي أمضى وقتا في بلاط المغول عام 1253، مراسم جنائزية علقت فيها جلود 16 حصانا على أعمدة طويلة، أربعة في كل اتجاه من الاتجاهات.
ومن هذا المعتقد ولد مفهوم "خييموري" (حصان الريح) -ذلك الكائن الأسطوري الذي يحمل الصلوات من الأرض إلى السماء بسرعة الريح وقوة الحصان. المفهوم لم يبق في الكتب؛ هو حي حتى اليوم في شعار منغوليا الرسمي، وفي الأهازيج التي تغنى لخيول النادام -المهرجان الوطني المنغولي الكبير.
والأغرب من ذلك أن آلة المورين خور، ذلك الكمان الذي ترتكز قوسه على رأس حصان منحوت ويصدر أوتاره من شعر ذيله، باتت اليوم في قائمة اليونسكو للتراث الإنساني غير المادي -إرث موسيقي ولد من نفس الروح التي يتتبعها الكتاب.
عين جالوت أو جغرافية الهزيمة
ويصل الكتاب إلى محطته الكبرى: معركة عين جالوت في سبتمبر/أيلول 1260، حين وقف المماليك بقيادة قطز وبيبرس في وجه المغول ليوقفوا زحفا لم يتوقف منذ عقود.
السؤال الذي تطرحه زيدان ويجيب عنه المؤرخ الأمريكي جون ماسون سميث في دراسته "عين جالوت: هل انتصر المماليك أم تعثر المغول؟" (Ayn Jalut: Mamluk Success or Mongol Failure?): لماذا لم يعد المغول بقوة كاملة؟ الجواب ليس في شجاعة المماليك فحسب، بل في جغرافيا السهوب والعشب.
حسابات سميث تظهر أن جيشا مغوليا كاملا من 60 ألف مقاتل يصطحب ما بين 180 ألفا و300 ألف حصان يحتاج إلى أكثر من 1300 طن من العشب يوميا. وبلاد الشام شبه الجافة لا تتحمل أكثر من 80 ألف حصان. الأرض رفضتهم قبل أن يرفضهم خصومهم.
بيبرس أدرك هذا، ففي السنوات التالية أمر بحرق المراعي على طول الحدود منهجيا. لم تكن حربا على الإنسان، بل حربا على الحصان.
كتاب فاطمة زيدان ينتمي إلى جنس أكاديمي نادر في المكتبة العربية: الدراسة التاريخية التي تسائل المألوف، فهي تنظر إلى أعظم إمبراطورية برية في التاريخ من عيون خيولها -لا من خزائن قادتها ولا من حصيلة حروبهم- وهو رهان فكري يستحق المجازفة.
وحين تدرك أن منغوليا الحديثة لا تزال تربي اليوم ما يقارب 5 ملايين حصان لـ 4 ملايين إنسان -نسبة لا تعرفها أمة في العالم- يصبح السؤال عن الحضارة وعلاقتها بالطبيعة سؤالا مفتوحا لم تغلقه قرون.





الخيول والمغول.. حين يصبح الحصان إمبراطورية


رد مع اقتباس