متحف الذهب الأسود في الرياض (وكالة الأنباء السعودية)
داخل مبنى صمّمته المعمارية الراحلة زها حديد ليكون مكتبة لأبحاث الطاقة، افتتحت السعودية، قبل يومين، أوّل متحف دائم في العالم يتناول النفط من منظور الفن المعاصر حصرًا. "متحف الذهب الأسود" يقع في مجمّع كابسارك (مركز الملك عبد الله للدراسات والبحوث البترولية) بالرياض، ويضمّ أكثر من 350 عملًا فنيًا لنحو 170 فنانًا سعوديًا وعالميًا من ثلاثين دولة. افتتحه وزيرا الطاقة والثقافة الأميران عبد العزيز بن سلمان وبدر بن عبد الله بن فرحان.
المبنى نفسه يحمل طبقة من المعنى. مجمّع كابسارك الذي يمتدّ على سبعين ألف متر مربع بأشكاله السداسية البلورية البارزة من رمال الصحراء حصل حين افتُتح عام 2017 على شهادة "ليد بلاتينيوم" – وهو أوّل مشروع لمكتب زها حديد ينال هذا التصنيف، وفق موقع المكتب المعماري. تولّى التحويل الداخلي من مكتبة بحثية إلى متحف مكتب "دايوا كانغ ديزاين" اللندني، الذي يربطه بالمبنى خيط شخصي: مؤسسه عمل مديرًا للتصميم في المشروع الأصلي، بحسب مجلة آرت نيوز.
يضمّ المتحف أكثر من 350 عملًا فنيًا لنحو 170 فنانًا سعوديًا وعالميًا (وكالة الأنباء السعودية)
يتولّى إدارة المتحف القيّم الفلسطيني جاك برسيكيان، وهو مؤسس بينالي الشارقة ومدير سابق للمتحف الفلسطيني. تعيينه منذ 2022 يعكس طموحًا بأن يكون المتحف محاورًا في المشهد الفني العالمي لا مجرّد واجهة وطنية.
أربعة فصول سردية: من "اللقاء" إلى "الرؤى"
تتوزّع المجموعة الدائمة على أربعة فصول سردية: "اللقاء" يبدأ من اكتشاف النفط واستخداماته المبكّرة في منتصف القرن التاسع عشر، و"الأحلام" يتتبّع تحوّله إلى وقود للطموحات التنموية خصوصًا في الخليج، و"الشكوك" يطرح مراجعة نقدية لمفارقات الاعتماد البشري على البترول وكلفته البيئية والجيوسياسية، و"الرؤى" يُخصَّص كفضاء متجدّد للحوار حول مستقبل الطاقة.
من اللافت أن هذا القسم الأخير كان يُسمّى في الوصف الأوّلي عام 2020 "المستقبل"، فتغيير الاسم إلى "الرؤى" يوحي بانتقال من مسار واحد محسوم إلى تعددية مفتوحة.
سير ذاتية
أبرز ما في المتحف هم فنانوه السعوديون الذين تربطهم بالنفط علاقة سيرة ذاتية، ومنهم:
منال الضويان التي نشأت داخل مجمّع أرامكو في الظهران وعملت مديرة إبداعية للشركة عشر سنوات تعرض عملها "إن نسيتني لا تنساني" (2012) الذي يحوّل خوذات العمّال وصورهم القديمة إلى مرثية بصرية لجيل الطفرة – أنجزته بعد عام من وفاة والدها الذي كان موظفًا في أرامكو.
أحمد ماطر، الطبيب الذي صار أشهر فنان سعودي معاصر، يعرض من سلسلته الشهيرة "إضاءة" التي تمزج صور الأشعة السينية بفنون المخطوطات الإسلامية، ومن أعماله الأكثر استفزازًا "تطوّر الإنسان" (2010) الذي يُظهر هيكلًا بشريًا بالأشعة يتحوّل تدريجيًا إلى مضخة بنزين وهو يصوّب مسدسًا نحو رأسه.
مهند شونو ممثل السعودية في بينالي البندقية 2022، ومحمد الفرج خرّيج جامعة الملك فهد للبترول والمعادن الذي يشتغل بمواد الأرض من تراب وسعف وتمر، وأيمن زيداني الفائز بجائزة إثراء للفنون.
"عواء" الصحراء وزيت المحركات
على الجانب العالمي، يعرض الأمريكي دوغ أيتكن فيلمه التركيبي "عواء" عن بلدة نفطية أمريكية مهجورة، والتشيلي ألفريدو جار عمله "موكسيما" عن مفارقة الثروة والفقر في أنغولا النفطية، والفرنسي رينو لايراك المؤسس المشارك لمجموعة "بي بي" الفنية التي سمّت نفسها عمدًا باسم شركة بريتش بتروليوم وتستخدم زيت المحرّكات مادةً فنية منذ 1984.
كما يضمّ المتحف أعمالًا لدينيس هوبر مخرج "إيزي رايدر" بوصفه مصوّرًا فوتوغرافيًا، وللنحات جيمي دورهام الحائز الأسد الذهبي في البندقية 2019 والذي كان والده عامل حقول نفط.
فلسفة المتحف: الفن أداة تفسيرية وحيدة
ما يميّز هذا المتحف عن متاحف النفط التقليدية – كمتحف دريك ويل في بنسلفانيا حيث حُفر أوّل بئر تجاري عام 1859، أو متحف البترول النرويجي في ستافانغر المصمّم على شكل منصة بحرية، أو متحف سبيندلتوب في تكساس الذي يُعيد بناء بلدة طفرة 1901 – هو أنه يجعل الفن المعاصر أداته التفسيرية الوحيدة.
لا معدّات حفر ولا نماذج جيولوجية، بل أشعة سينية وتركيبات فيلمية ومنحوتات من براميل نفط معاد تدويرها.
يندرج المتحف ضمن إستراتيجية رؤية 2030 الثقافية التي تستهدف رفع مساهمة القطاع الثقافي إلى 3% من الناتج المحلي، وضخّت فيها المملكة أكثر من ملياري دولار منذ تأسيس وزارة الثقافة عام 2018. المشهد يشمل بينالي الدرعية للفن المعاصر وبينالي الفنون الإسلامية في جدة ومتحف العُلا للفن المعاصر المرتقب.





"متحف الذهب الأسود" بالرياض يروي قصة النفط بلغة الفن المعاصر


رد مع اقتباس