المخرجات العالميات غريتا غيرويغ "يسار" وجين كامبيون "وسط" وأننيس فاردا (وكالات)
لم تغب المرأة عن السينما يوما، سواء أمام الكاميرا أو خلفها، لكن قدرتها على تشكيل الرؤية وقيادة فرق العمل لم تلق اعترافا سهلا في المجتمعات، وقد تصدت بعض صانعات الأفلام لهذه المعركة، فتحققت نجاحات استثنائية بمواهب لا تقبل التشكيك، وقدرات قيادية واضحة.
وإذا كانت كل من المخرجة الأسترالية جين كامبيون والفرنسية أغنيس فاردا قد صادفتا طريقا غير ممهد تستطيع المرأة السير فيه، فإن مشوار كل منهما قد ساهم في تمهيد الطريق أمام مخرجة وممثلة مثل غريتا غيرويغ، التي انطلقت في سماء هوليود منذ سنوات قليلة، لتحقق نجاحات لم تتحقق لغيرها.
وإذا كان هناك تصور عام عن قدرة المرأة على سرد الحكايات الناعمة فقط، فإن الأمريكية كاثرين بيغلو قد تجاوزت هذه الرؤية عبر الأفلام الحربية وعالم المطاردات، أما الصينية كلوي تشاو فقد شكلت حضورا مميزا عبر فيلم "نومادلاند" (Nomadland).
لم تحتل المخرجات الخمس تلك المكانة بسبب الانتشار أو الشهرة فقط، بل رشحتهن المعايير النقدية والصناعية التي تشمل التأثير في اللغة السينمائية، فضلا عن الاعتراف المؤسسي عبر الجوائز الكبرى.
جين كامبيون تحمل جائزة الأوسكار (أسوشيتد برس)
1- جين كامبيون.. جامعة الجوائز الأسترالية
حققت المخرجة والمؤلفة الأسترالية جين كامبيون نجاحا استثنائيا منذ فوزها بالسعفة الذهبية في مهرجان كان الدولي عام 1994 عن فيلم "البيانو" (The Piano)، لتصبح أول امرأة تنال هذه الجائزة، قبل أن تفوز عام 2022 بجائزة أوسكار أفضل مخرج عن فيلم "قوة الكلب" (The Power of the Dog).
تتميز أعمال كامبيون بالقدرة على تحليل العلاقات الإنسانية المركبة، خاصة ما يتعلق بالسلطة والهوية، وذلك عبر لغة بصرية دقيقة وبناء نفسي عميق، وقد أسهمت في ترسيخ موقع المرأة مؤلفة ومخرجة سينمائية قادرة على قيادة خطاب فني عالمي، بحسب موقع مهرجان كان.
بدأت كامبيون مسيرتها في صناعة الأفلام في أوائل ثمانينيات القرن الماضي، وفاز فيلمها القصير الأول "قشرة" (Peel) -الذي أخرجته عام 1982- بجائزة السعفة الذهبية في مهرجان كان السينمائي عام 1986.
وفازت عن فيلمها الروائي الأول "سويتي" (Sweetie) -الذي أخرجته عام 1989- بجائزة جورج سادول الفرنسية لأفضل فيلم أجنبي. وقد شاركت في كتابة الفيلم وإخراجه، وحصلت على جوائز الجيل الجديد من نقاد لوس أنجلوس السينمائيين (LAFCA Awards) عام 1990، وجائزة الروح المستقلة الأمريكية (Independent Spirit Awards) لأفضل فيلم أجنبي، إضافة إلى جائزة النقاد الأستراليين (AFCA) لأفضل فيلم، وأفضل مخرج، وأفضل ممثلة.
ثم أخرجت فيلم "ملاك على مائدتي" (An Angel at My Table) عام 1990، وهو عمل درامي مقتبس من السيرة الذاتية للكاتبة والروائية النيوزيلندية جانيت فريم، وحصد العمل سبع جوائز، من بينها جائزة الأسد الفضي في مهرجان البندقية السينمائي عام 1990، كما فاز بجوائز في مهرجاني تورونتو وبرلين السينمائيين، واختير الفيلم الأكثر شعبية في مهرجان سيدني السينمائي عام 1990.
المخرجة كلوي تشاو تحمل جائزة الأوسكار (رويترز)
2- كلوي تشاو.. بين الوثائقي والروائي
أصبحت المخرجة والكاتبة والمنتجة الصينية كلوي تشاو صوتا سينمائيا متميزا في السنوات الأخيرة، بعد أن شكلت ملامح حضور استثنائي، وتُوّجت بأوسكار أفضل مخرج عام 2021 عن فيلم "نومادلاند" (Nomadland)، لتصبح ثاني امرأة في التاريخ تنال هذه الجائزة، بحسب مجلة فارايتي.
تميزت مسيرتها بقدرتها على المزج بين الحس الوثائقي والسرد الروائي، وهو ما منح أفلامها صدقا إنسانيا نادرا. أعادت تشاو توجيه الكاميرا نحو الهامش، فكشفت عوالم لا تلاحظها السينما السائدة.
عرف العالم كلوي تشاو لأول مرة حين عرض فيلمها الروائي الأول "أغان علمني إياها إخوتي" (Songs My Brothers Taught Me) عام 2015 في مهرجان صندانس السينمائي، أما فيلمها الروائي الثاني "الفارس" (The Rider) -الذي أخرجته عام 2017- فقد لاقى استحسان النقاد وحصل على العديد من الجوائز، بما في ذلك ترشيحات لجائزة الروح المستقلة لأفضل فيلم وأفضل مخرج.
في أحدث أفلامها "هامنت" (Hamnet)، سجلت تشاو رقما قويا في موسم الجوائز، إذ فاز العمل بجائزة أفضل فيلم درامي في الغولدن غلوب، وحصلت بطلته على جائزة أفضل ممثلة، كما حصل على جائزة الجمهور في مهرجان تورونتو، ونال ترشيحات عدة للأوسكار، بينها أفضل فيلم وأفضل إخراج.
غريتا غرويغ حققت انطلاقتها الكبرى بفيلم "ليدي بيرد" (أسوشيتد برس)
3- غريتا غرويغ.. حولت الدمية إلى مليار دولار
بدأت الأمريكية غريتا غرويغ مسيرتها من داخل السينما المستقلة، وبرزت ممثلة وكاتبة، قبل أن تنتقل تدريجيا إلى الإخراج وتفرض صوتا مختلفا داخل هوليود. حققت انطلاقتها الكبرى بفيلم "ليدي بيرد" (Lady Bird)، الذي نال خمسة ترشيحات للأوسكار عام 2018.
وعززت مسيرتها بفيلم "ليتل وومن" (Little Women)، الذي جمع بين النجاح النقدي والجوائز، مع ستة ترشيحات للأوسكار عام 2020، مما رسخ مكانتها باعتبارها صانعة أفلام قادرة على إعادة قراءة الكلاسيكيات برؤية معاصرة.
لكن التحول الأكبر في مسيرتها جاء مع فيلم "باربي" (Barbie)، الذي لم يكن مجرد نجاح جماهيري، بل ظاهرة ثقافية عالمية، إذ تجاوزت إيراداته 1.4 مليار دولار، بحسب موقع "ديدلاين"، ليصبح من الأعلى في تاريخ الأفلام التي أخرجتها امرأة.
حصد الفيلم مئات الترشيحات والجوائز، بينها تسعة ترشيحات في الغولدن غلوب وثمانية في الأوسكار، مما يعكس توازنا نادرا بين النجاح التجاري والتقدير النقدي.
4- كاثرين بيغلو.. مخرجة الحروب
كسرت الأمريكية كاثرين بيغلو احتكار الرجال سينما الحرب و"الأكشن"، وحققت إنجازا تاريخيا بفوزها بأوسكار أفضل مخرج عن فيلم "خزانة الألم" (The Hurt Locker)، لتصبح أول مخرجة تنال هذه الجائزة، بحسب موقع الأوسكار.
تتميز أعمالها بالقدرة على تقديم العنف في شكل تجربة نفسية، بحسب موقع معهد الفيلم البريطاني، وليس مجرد مشهد "أكشن". وفي أفلام مثل "زيرو دارك ثيرتي" (Zero Dark Thirty)، تواصل تحليل العلاقة بين السلطة والسياسة والإنسان، وقد فرضت بيغلو حضورها في الإخراج.
رُشِّح فيلم "خزانة الألم" لتسع جوائز أوسكار، وفاز في النهاية بجائزة أفضل فيلم عام 2010. وكان فوزها بجائزة أفضل مخرج حدثا تاريخيا أيضا، لتصبح أول امرأة في تاريخ جوائز الأوسكار تنال هذا التكريم.
واصلت بيغلو العمل على الروايات ذات الطابع السياسي مع فيلم "زيرو دارك ثيرتي"، الذي قدّم تفاصيل دقيقة لعمليات المخابرات والجيش الأمريكي. وقد حصد الفيلم ترشيحا آخر لجائزة أفضل فيلم، مما رسّخ مكانتها مخرجة بارعة.
قدمت كاثرين بيغلو فيلم "بيت الديناميت" (A House of Dynamite) عام 2025، وهي قصة سباق مع الزمن بعد إطلاق صاروخ مجهول باتجاه الولايات المتحدة.
رُويت الحكاية من زوايا متعددة داخل مؤسسات الحكم والجيش، وعُرض الفيلم في المسابقة الرسمية لمهرجان البندقية، حيث نال استقبالا لافتا وترشيحا لجائزة الأسد الذهبي، في تأكيد على حضوره النقدي.
أننيس فاردا في احتفال بالجائزة (الفرنسية)
5- أنييس فاردا.. من الصورة الثابتة إلى الفن السابع
صنعت المخرجة الفرنسية أنييس فاردا، التي توفيت عام 2019، مسيرة خاصة جمعت بين الفن والحياة دون حواجز. فقد جاءت إلى السينما من خلفية في التصوير الفوتوغرافي والفنون البصرية، وهو ما انعكس على اهتمامها بالصورة باعتبارها مركز التجربة السينمائية.
منذ فيلمها الأول "لا بوانت كورت" (La Pointe Courte) عام 1954، الذي أُنجز بميزانية محدودة وروح تجريبية، سبقت كثيرا من ملامح الموجة الفرنسية الجديدة، من خلال مزجها بين الواقعي والذاتي، وبين الوثائقي والروائي في بناء واحد.
لم تتعامل فاردا مع السينما بصفتها صناعة تقليدية، بل امتدادا مباشرا لحياتها اليومية، وتداخلت تجاربها الشخصية مع أعمالها بشكل واضح. يظهر ذلك في حالة سينمائية شديدة الصدق، تقترب بها من الاعتراف الإنساني بدلا من البناء الدرامي.
استثمرت الفنانة الفرنسية التقنيات الرقمية لتقترب أكثر من الكاميرا ومن موضوعها في آن واحد، وخاصة في فيلم "أنا وجامعو الحبوب" (The Gleaners and I)، إذ ظهرت بنفسها داخل العمل، الذي كان مزيجا بين السيرة الذاتية والتأمل الاجتماعي، وحقق انتشارا واسعا، وأسهم في تقديمها لجمهور جديد، وأكد قدرتها على الاستمرار والتجدد حتى في مراحل متقدمة من عمرها.
حصلت فاردا على تقدير دولي في عالم السينما، إذ فازت بجائزة الدب الفضي من مهرجان برلين السينمائي الدولي عام 1985 عن فيلم "المتشرد" (Vagabond)، ثم نالت السعفة الذهبية الشرفية من مهرجان كان السينمائي الدولي عام 2015، والأسد الذهبي الشرفي من مهرجان البندقية السينمائي عام 2017، وفي العام نفسه نالت جائزة الأوسكار الشرفية.
وفي فرنسا، فازت بجائزة سيزار لأفضل فيلم وثائقي عام 2018 عن فيلم "وجوه أماكن" (Faces Places)، مع ترشيح للأوسكار عن العمل نفسه.
امتد تأثير فاردا، التي رحلت توفيت عام 2019، إلى البعد الثقافي والاجتماعي، إذ ساهمت في تغيير النظرة إلى حضور المرأة داخل السينما، سواء عبر موضوعاتها أو من خلال دعمها لعمل النساء داخل فرق الإنتاج.





خمس نساء أبدعن في الإخراج السينمائي





رد مع اقتباس