(By Cplakidas - Own work, CC BY-SA 3.0, https://commons.wikimedia.org/w/inde...curid=15901401)
يُعد إقليم "ما وراء النهر" (Transoxiana) أحد أخصب أقاليم الإسلام وأكثرها منعة، وهو المنطقة الجغرافية التي تمتد من ضفاف نهر جيحون جنوباً حتى بلاد الترك شمالاً وشرقاً. يجمع هذا الإقليم بين عبقرية الجغرافيا، ورخاء الاقتصاد، وعنفوان القوة السياسية.
أولاً: العبقرية الجغرافية والمائية
يستمد الإقليم حياته من نهر جيحون وعموده "جرياب"، وروافده العظيمة مثل "وخشاب" الذي يضيق عند قنطرة واشجرد حتى ليعبره المرء فوق جسر ضيق رغم غزارته.
- النزاهة والجمال: يتفوق الإقليم بمتنزهاته على غوطة دمشق ونهر الأبلة؛ ففي بخارا تتصل الخضرة بلون السماء في مشهد لا يقطعه إلا بريق القصور، وفي سغد سمرقند يمتد البساط الأخضر والرياض المشتبكة لمسافة مسيرة ثمانية أيام بلا انقطاع، حيث تتخلل الأنهار الجارية كل سكة ودار.
- المدن المحصنة: تحيط بمدن مثل بخارا أسوار ضخمة (قطرها عشرة فراسخ) تضم داخلها القرى والمزارع، مما يجعل الإقليم "داراً واحدة" في ترابطه.
ثانياً: الرخاء الاقتصادي والاكتفاء الذاتي
يتميز الإقليم بحصانة اقتصادية تجعله بمنأى عن القحط الذي يصيب الأقاليم الأخرى، وذلك بفضل:
- التنوع الإنتاجي: وفرة في القطن، الفراء، الحرير، والفاكهة المباحة في الجبال (فستق وجوز).
- الثروة المعدنية: مناجم ذهب وفضة وزئبق ونوشاذر، مع تفوق صناعي فريد في إنتاج الكاغد (الورق) والحديد.
- التكافل الاجتماعي: عُرف أهلها بـ "السماحة الأسطورية"، حيث تُبنى المنازل لاستقبال الغرباء، وتبقى الأبواب مشرعة لعقود دون إغلاق، مع وجود أكثر من عشرة آلاف رباط مخصصة لإيواء المسافرين مجاناً.
ثالثاً: القوة العسكرية والثقل السياسي
سياسياً وعسكرياً، مثّل الإقليم "العمود الفقري" للدولة الإسلامية في مواجهة الأتراك:
- ثغر الإسلام: يُعتبر الإقليم خط الدفاع الأول؛ فأهله هم "أشد الناس شوكة" وأكثرهم ممارسة للجهاد. وتُشير الروايات إلى قدرة الإقليم على حشد 300 ألف مقاتل (فارس وراجل) دون أن يتأثر النشاط اليومي لقراه.
- جيوش الخلافة: بسبب بأسهم وطاعتهم، أصبح رجال ما وراء النهر (مثل الفراغنة والأتراك) حاشية الخلفاء وقادة الجيوش العباسية، وبرز منهم أسماء كالأفشين وآل أبي الساج.
- الدولة السامانية: حكم الإقليم آل سامان (من نسل بهرام جوبين)، الذين أقاموا دولة هي الأكمل أسباباً والأمنع جانباً، واعتمدوا على جيوش منظمة من المماليك والأحرار، مما جعل ملكهم راسخاً لا تؤثر فيه الهزائم العابرة.
إن إقليم ما وراء النهر في تلك الحقبة لم يكن مجرد طرف من أطراف الدولة، بل كان مركزاً حضارياً اجتمعت فيه ثروة خوارزم، وجمال بخارا، وصناعة سمرقند، وبأس فرغانة. هو الإقليم الذي وجّه نفقاته لعمارة الطرق والرباطات وسقايات الماء المبرد بالثلج، ليصنع بيئة أنتجت أعظم علماء التاريخ وقادة الجيوش.
المصدر: من كتاب المسالك والممالك للاصطخري أو مسالك الممالك










رد مع اقتباس