قصص قصيرة.. حكاية ساعي البريد الذي لم يأتِ

يبدو أن ساعي البريد لم يأتِ كعادته. لا أدري أتأخر أم أنني أخطأت التوقيت هذه المرة، أنتظره في الرُّدهة كعادتي. فنجان القهوة ينقل سقيعه إلى يدي بلا ممانعة مني، أُطيل النظر في اللاشَيء في مشهدٍ سبعيناتي روتينيٍّ بالمرة، والجو هنا يُخيفُني.
‏بالأمس تناثرت الأخبار، وتطايرت الصحف. وكثرت الأهازيج، وتحول السكون إلى هلع شديد، هرج ومرج غير مخطط له على الإطلاق. يتحدثون عن النهاية، أية نهايةٌ تلك؟
نهاية واحدة أعرفها جيدًا. هل هي المقصودة أم أنه توجد نهايات لا نهاية لها لم يسعفني العمر على معرفتها بعد؟ لا أدري.
لأكون صادقًا معك ومع نفسي قبل أي شيء، لا يعنيني العالم كله، لا يعنيني أحدٌ غيرك.
اقتربت من شباك غرفتي هذه، أتأمل الشارع الفارغ عن بكرة أبيه. كيف يصبح السواد قاتمًا إلى هذا الحد مرة واحدة؟ كيف تتغير الأشياء بتلك السرعة المرعبة؟ أشعر أنني مبتدئٌ نحو مشارف الحياة وأنا من هذا براء.
لا أعلم كيف لا أجسر على الخروج لرؤيتك. أي نهاية تلك من دونك؟ هم لا يعلمون كم هو مؤلم أن أظل عالقًا هنا مع تبغي وقهوتي ووحدتي هذه، هم لا يعلمون أي شيء على الإطلاق. اشتقت إليك بلا حرج. كيف تكون هناك نهاية لا وداع فيها بيننا؟ كيف لزهوري أن تذبل في مزهريتي بلا سابق وداع بيننا؟
‏شرفتي تعلم أني لم أكن مهمِلًا أبدًا.
كثرت ثغرات الهروب ما بين الوباء والحروب، وللحظة لا نعلم أيُّ الثغرات أولى بأن تُسدَّ.
أتعلمين... أراهم من حولي يتساقطون كحبات التوت بلا حول أو قوة، واحدًا تلو أخيه. إنه الوباء اللعين ينتشر بالمدينة، وأنتِ تنتشرين بي وأنا أنتشي بك. لم أصدقهم على الإطلاق، لا أريد تصديق أي شيء، أُنكر عليهم فكرة أن يذهب بي المطاف لأنتهي مثلهم.
‏أنا هش، جبان وضعيف، صدقيني عزيزتي، أدفع أموال الدنيا التي لا أملكها ليسير أحدهم في جنازتي أو أن أفوز بدعوة صالحة، أو أن تكون هناك لحظة وداع لائقة. أتدرين... أحاديثهم حولي تثير الرعب والقلق بداخلي، يخافون الوباء وأنا أخاف الوحدة.
أي وباءٍ هذا؟ أهو الجوع أم المرض أم الحرب أم الحب؟
يريدون الهرب وأنا أُريدكِ أنتِ.
‏لم يعزف قلبي، رغم اضطرابه، عن التفكير بك. بالأمس حزنت على نبتتي الصغيرة، لقد أسميتها اسمك، دللتها، واعتنيت بها حتى الذبول. ذبلت بين أحضان يدي وثنايا أصابعي، لا أدري أهو اهتمامي الزائد أم إدماني لها. فالحب قد يصير رُكامًا، وتطاير رفاته كلما اشتد وثاقه. نعلم أن الأمور قد لا تسير كما خططنا أحيانًا، نعلم الكثير، وفي الإدراك لعنة.
منذ أن صِرت ها هنا، أو بالأحرى منذ أن صِرت خائفًا، لم يحييني أمل كثغرك.
رغم خوفي من الوحدة، آنسني طيفك. الجميع هنا خائف، الجميع هنا مرعوب.
يتدفؤون بحنينهم، ويعيشون رغم الزخم والذعر. الابتسامة لا تفارقهم، والقلوب على الرغم من ذلك بلغت الحناجر.
‏لا أُخفيكِ سرًا، وأنا كذلك؛ بت لا أطيق ما كنت أطيقه. يبدو أن النهايات، عزيزتي، متشابهة إلى تشابهًا كبيرًا.
ما زلت على مقعدي، وفنجاني يرتعش، أو ربما أنا. أمامي لوحة ڤان جوخ الأخيرة في يوم ميلاده. أهي مصادفة أم أنه القدر؟
‏من عبثية القدر أن يكون لكل شيء نهاية، وأن النهايات متشابهة كثيرًا، وأننا أوغاد بالفطرة لو تعلمين. نكرر نفس الأشياء ونفس الشعور بلا هوادة أو حتى اكتراث، لعلنا نلقى ما لا نخطط له، وذلك بطبعه قاسٍ ومزعج. موسيقاي تدوي من خلفي، شرفتي هنا، أنتظركِ خلفها منذ ما يقرب عامين أو يزيد.
‏ساعي البريد تأخر هذه المرة.
أتدرين، أنتظره بلهفة غريبة. لأكون صريحًا، أفتقد رائحتك في كتاباتك لي، على الرغْم من أنك لم ترسلي لي حرفًا واحدًا منذ زمن، على الرغْم من أنكِ لم تراسليني ولو بوردة، ورغم أني لا أعرف أي ساعي بريدٍ بالمنطقة.
‏على الرغْم من أن لكل عزيز عزيزة، فحسبت أني عزيز كما وددتِ، فإنني ينتابني شعور غريب. أشعر بأن أحدهم في خطر، أتلو الصلوات لئلا تكوني أنتِ، أشعر بنغزة عنيفة في جانب صدري الأيسر. أرجو ألا تكوني أنتِ. نفسي يتسارع، عزيزتي، وأنا جاهل بما يدور. أرجو ألا تكوني أنتِ.
‏موسيقاي تدوي على نحو غريب هذه المرة. أنا خائف للغاية. أرجو ألا تكوني أنتِ. لماذا أشعر بالثقل هكذا، ولماذا أسقط أرضًا بكل هذا العنف؟ لحظةً، أرى السواد.
رويدًا رويدًا... أنا لا أستحق ذلك، صدقيني. أرجو ألا تكوني أنتِ، عزيزتي تعالي، أرجو ألا تكوني أنتِ.