( تضيق البيوت وتتسع المسافات)
لم تعد (الأسرة) في زمننا هذا تلك الملاذ الدافئ الذي يلوذ به الإنسان عند انكساراته بل تحوّلت في كثيراً من الأحيان إلى مساحات صامتة تتجاور فيها أجسادنا وتتباعد فيها أرواحنا
نجلس يومياً معا على مائدة واحدة لكن لكل مننا إنشغاله بعمله الخاص أو عالمه نتحاور معاً قليلًا ونفترض أحيانًا كثيرًا نُظهر القرب ونُخفي( الغربة)
وتبقى واحدة من أبرز القضايا الأسرية في يومنا هذا “الانفصال العاطفي” ذلك الشرخ الغير مرئي الذي لا تُظهره الصور العائلية ولا تكشفه المجاملات اليومية ويعيّشه الأب مع أبنائه تحت سقف واحد لكنه لا يعرف ما يدور في أذهانهم ولا حتى مافي عقولهم وقد تشاركه الأم من زاوية اخرى مع أبناءها بعض من تفاصيل يومهم لكنها لا تصل إلى مخاوفهم الحقيقية،،
وهنا تبدأ المسافات بالإتساع ليست في المكان بل في الشعور…
وهنا يأتي دور ( العلاقات الإجتماعية)
التي أصبحت أكثر هشاشة تُبنى بسرعة وتنهار بسرعة أكبر والصداقات باتت مرتبطة ب المصالح و المزاجية وصلت الرحم التي كانت ربطة الوصل ،،، أصبحت تُؤدى أحيانًا كواجب ثقيل أو عادة قديمة لا كقيمة إنسانية لقد استبدلنا عمق علاقتنا بسطحها وأصبح “الحضور الرقمي” (للأسف)
بديلًا زائفًا عن “الوجود الحقيقي”…
والمؤلم أن كثيرًا من النزاعات الأسرية تنشأ من أسباب بسيطة:
سوء الفهم أو غياب الحوار أو عدم الفهم أصلا ،،،
بدل أن يكون الإختلاف عن الفهم يتحول إلى ساحات صراع ،، وأن يكون للنقاش وسيلة للتقارب يتحول إلى أداة للانتصار وتخسر الأسرة أهم ما تملك: الطمأنينة
ورغم هذا الواقع المؤلم إلى أن لا تزال هناك مساحات للأمل وحلول يمكن أن تعيد التوازن المفقود وأول هذه الحلول هو إحياء
“فن الإصغاء” أن نصغي لبعضنا البعض بصدق لا لنردّ بل لنفهم فالكلمة التي تُقال في لحظة أهتمامها قد تُنقذ علاقة من الإنهيار…
و لأبد من إعادة الاعتبار للحوار داخل كل أسرة لا بوصفه رفاهية بل بضرورة عقد جلسات بسيطة خالية من الهواتف يتبادل فيها أفراد الأسرة الحديث معا وهذا قد يعيد جزء من ما أفسدته الأيام من الصمت فالحوار ليس مجرد كلام بل جسر يُبنى بين القلوب…
وعلينا أن نُعيد تعريف العلاقات الإجتماعية على أسّس “القيمة” لا “المصلحة”
وأختيار الأصدقاء يكون بعناية صريحة والحفاظ عليهم بصدق وبكل أمانه وأن نُدرك أن العلاقات الحقيقية لا تُقاس بعددها بل بعمقها ومواقفها..
(ثقافة التسامح) يجب علينا أن نشارك في نشرها في كل بيت وكل أسرة و كل مجتمع لأنها راح تساهم في إعادة ركيزة (الاستقرار ) التي هي أساس كل أسرة ويجب علينا أن ندرك أنه ليس من الضروري أن ننتصر في كل خلاف أو أي حوار بل يجب علينا أن نحافظ على كل من نحب
أحيانًا يكون التنازل قوة ويكون العفو شجاعة…
لذلك يبقى الوعي هو المفتاح عندما نُدرك أن الأسرة ليست مجرد رابط دم أو مجموعة أفراد تعيش مع بعضها !!!
بل يجب علينا أن نؤمن أنها مسؤولية تامه تجاه كلّ فرد من كل أسرة ،،،
وأن العلاقات ليست صدفة بل اختيار مستمر،،
فإذا أحسنا الأختيار وأتقنا الرعاية تحولت بيوتنا من مجرد بيوتا للسكن إلى أوطانٍ للعيش
ومع تسارع الحياة وكثرت الإنشغالات والظغوطات اليومية التي لاتنتهى
"تظل الأسرة هي الحصن المنيع"
فإن صلحت صلح الفرد والمجتمع
وإن تفككت تاهت في زحام العالم بلا وجهة فلنتمسك بما تبقى
قبل أن يتحول القرب إلى مجرد ذكرى
مقالة للكاتب عبدالعزيز مسعود السعدون





رد مع اقتباس