معركة الأهرامات في 21 يوليو/تموز 1798 بين الفرنسيين والمماليك. وقعت هذه المعركة عند أهرامات الجيزة في مصر (شترستوك)
إنه يوم الأحد المشهود، 25 رجب 922هـ/24 أغسطس/آب 1516م، وقف السلطان قانصوه الغوري تحت رايته في سهل مرج دابق شمالي حلب، وقد تجاوز السبعين. صاح في أمرائه: "يا أغوات، هذا وقت المروءة، هذا وقت النجدة، يا أغوات الشجاعة، صبر ساعة"، وبعد قليل، كانت مدافع سليم الأول وبنادق الانكشارية قد حسمت المعركة التي أنهت دولة مملوكية عمرها قرنان وثلثا قرن.
بدأت الهزيمة قبل مرج دابق بسنوات، حين وقف الغوري أمام بندقية جلبها له تاجر سلاح مغربي، فنطق بقولته التي رواها مؤرخ نهاية العصر المملوكي وبداية الحكم العثماني ابن زنبل الرمّال: "نحن لا نترك سنّة نبيّنا ونتبع سنّة النصارى".
الرواية أعقد ممّا تبدو وقد لا تكون دقيقة في تفاصيلها، لكنّ ما يُؤكَّد هو أنّ الغوري نفسه حاول إدخال الأسلحة النارية إلى جيشه، فلقي من طبقته العسكرية مقاومة أشدّ من مقاومة العدوّ؛ ما يحيل على أحد أعمق أزمات التحديث في التاريخ الإسلامي حين صار السلاح الجديد تهديدا وجوديا لنظام اجتماعي بأسره، نظام قائم على طبقة الفرسان ويستمد شرعيته من قيم الفروسية والبطولة والشجاعة.
تمحو البندقيةُ إرث مهارات القتال الفردية بالسيف والرمح والقوس وركوب الجواد، فهي سلاح يُتعلَّم في أسبوع، ولو انتشرت البنادق، لَساوى العبدُ الأسود والحرفيُّ القاهري الأميرَ المملوكي في ساحة المعركة، وهذا ربما ما لم يُطقه سادة القاهرة آنذاك.
رسم لمقاتل مملوكي يمتطي جوادا، من كتاب "قاموس الكلمات والأشياء" لاريف وفلوري 1895 (شترستوك)
بندقية تاجر مغربي
يستند المؤرخون إلى مصدرين: ابن إياس الحنفي (ت. نحو 1524) في "بدائع الزهور"، وهو شاهد عيان ينتمي إلى أسرة مملوكية، ويوميّاته أقرب إلى التوثيق، وابن زنبل الرمّال (ت. نحو 1552) في "آخرة المماليك"، بأسلوب درامي وصفه المستشرق روبرت إروين بأنه "رومانس التاريخ"، يحتفظ بنصوص لا توجد عند غيره.
يسوق ابن زنبل الرواية على لسان الأمير كرتباي، الذي أسره سليم الأول بعد المعركة. حين سأله العثماني عن عزوف المماليك عن البنادق، أجاب: "هذه هي البندق التي لو رمت بها امرأة لمنعت بها كذا وكذا إنسانًا… ولكن نحن قوم لا نترك سنّة نبيّنا محمد، ويا ويلك كيف ترمي بالنار على من يشهد لله بالوحدانية ولمحمد بالرسالة".
تتشابك في الجواب ثلاث حُجج: أنّ البندقية سلاح لا يحتاج لشجاعة وفروسية، وأنّها تخالف سنّة الجهاد بالسيف والرمح، وأنّها تُحرّم بالنار قتلَ المسلمين؛ ويضيف ابن زنبل تعليقا شخصيا عن المماليك "وما ضرّهم إلا البندق، فإنّه يأخذ الرجل على حين غفلة لا يعرف من أين جاءه".
أمّا الحادثة الأساسية، فيرويها ابن زنبل قائلا: قدِم رجل مغربي إلى الغوري ببندقية وأخبره أنّها ظهرت من "بلاد البندق" -أي فينيسيا- وأنّ عساكر الروم والعرب يستعملونها. أمر الغوري أن تُعلَّم لبعض مماليكه، فجيء بهم فرموا بحضرته. "فساءه ذلك"، ونطق بقولته عن سنّة النبي وسنّة النصارى. انصرف المغربي وهو يتمتم نبوءة. ولا يرد نصّ مماثل في يوميّات ابن إياس، الأدقّ والأقرب زمنا، فهل وقعت الحادثة فعلا، أم أنّها إعادة بناء أدبية لاحقة؟
ما يُسقطه السرد ربما أنّ الغوري لم يرفض الأسلحة النارية رفضا مطلقا، فحوالي عام 1507، أنشأ مسبكا للمدافع في القلعة، وقبله، أنشأ الناصر محمد بن قايتباي (حكم 1496-1498) فرقة من العبيد السود المسلّحين بالبنادق، عُرفت بـ"عبيد النفطيّة".
لم يُجنَّد فيها مملوك واحد من الفرسان التقليديين. ضمّت التركمان والفرس وأولاد الناس والحرفيين -كلّ مَن هو خارج الطبقة الحاكمة. لم يكن متصوَّرا أن يترجّل المملوك الذي أنفق عمره يتدرّب على الفروسية والرماية من ظهر الحصان، ليحمل بندقية. كانت البندقية، في عيون النخبة، لا تهدّد العدوّ بقدر ما تهدّد نظامهم الاجتماعي.
خريطة تظهر حدود الدولة المملوكية تاريخيا (الجزيرة)
فروسية ضدّ بارود
في مرج دابق، اصطدم نظامان عسكريان متفاوتان، إذ نشر سليم الأول جيشا يتراوح بين 60 و100 ألف مقاتل: الانكشارية ببنادقهم خلف حصون متنقّلة من العربات المسلسلة -تكتيك "الطابور جنكي" الذي اقتبسه العثمانيون عن الهنغاريين- ومدافع ميدانية ثقيلة، وفرسان سباهية على الأجنحة. جلب الغوري مقابله نحو 20 إلى 30 ألف فارس، مع وحدات بدوية وتركمانية.
بدأت المعركة بما يجيده المماليك، اندفع المخضرمون بقيادة نائب الشام سيباي، فاخترقوا الخطوط العثمانية، واستولوا على 7 ألوية وعدد من المدافع، وقتلوا آلافا. يروي ابن طولون الدمشقي أنّ "أوائل النهار كانت للجيش المملوكي، وبحلول الظهر انشغلوا بالنهب والسلب". فكّر سليم -بحسب بعض الروايات- في طلب هدنة. ثم استعاد الانكشارية تماسكهم خلف عرباتهم، فبدأت رشقات البنادق والمدافع تحصد صفوف الفرسان بلا رحمة. يصف ابن زنبل المشهد: "وصار النهار عليهم مثل يوم القيامة… فصارت تلك الصحراء كالمجزرة من الدماء".
وصار النهار عليهم مثل يوم القيامة… فصارت تلك الصحراء كالمجزرة من الدماء
ضاعف الكارثة خيانة خاير بك والي حلب، الذي كان قد راسل الباب العالي سرّا قبل المعركة، وفي اللحظة الحاسمة، انسحب بجناحه الأيسر، وأشاع أنّ السلطان قُتل، وسرى الذعر، وأصاب الغوريَّ ما يُرجَّح أنّه سكتة دماغية، فسقط عن حصانه ومات في الميدان.
وبسقوطه، سقطت الشام كلّها بلا مقاومة، وحين حاول خليفته طومان باي تدارك الأمر في معركة الريدانية (يناير/كانون الثاني 1517)، فأعدّ نحو مئة عربة تحمل بنادق ومدافع محاكاة للعثمانيين، هُزم في عشرين دقيقة، وصارت مصر ولاية عثمانية.
لماذا نجحت "إمبراطوريات البارود" وفشل المماليك؟
حين صاغ المؤرخ الأمريكي مارشال هودجسون مصطلح "إمبراطوريات البارود" في "مغامرة الإسلام" (1974)، كان يشير إلى ثلاث دول إسلامية بنت قوّتها على النار: العثمانيون والصفويون والمغول. يُطرح السؤال: لماذا كان المماليك الاستثناء الوحيد؟
كتاب "مغامرة الإسلام" للمؤرخ مارشال هودجسون
الجواب مؤسسي أكثر منه ديني وثقافي، فقد امتلك العثمانيون الانكشارية -أوّل جيش مشاة نظامي دائم مسلّح بالبنادق في العالم- أُنشئ حرسا شخصيا للسلطان، وهويّته قائمة على الطاعة والانضباط لا على الفروسية. كان بوسع السلطان العثماني أن يأمر جنوده بالتدرّب على سلاح جديد دون أن يهزّ ذلك نظامه. تبنّى الصفويون البنادق بسرعة مذهلة بعد هزيمة چالديران (1514) أمام المدافع العثمانية ذاتها؛ بحلول 1521، كان في جيشهم ما بين 12 و20 ألف بندقي، وانضمّ إليهم عساكر انكشارية فروا ونقلوا خبراتهم. وفي الهند، استخدم ظهير الدين بابر "الأسلوب الرومي" ذاته في بانيبات (1526) ليسحق جيش إبراهيم لودي الذي فاقه ثلاث مرات.
وحدهم المماليك لم يمتلكوا هذا الخيار، فقد كان جيشهم كلّه نخبة فرسان، ولا مكان مؤسسي لمشاة بنادق. وإنشاء فرقة مشاة قوية كان سيعني تقويض السلطة من أساسها -وهو ما لم يقبله الأمراء الذين كانوا يُنصّبون السلاطين ويعزلونهم. ورغم أنّ نخبة الفرسان تقلّصت في تلك الحقبة، بحسب مؤرخين، بفعل الأزمة المالية وصعوبات التجنيد، غير أنّ الحلّ لم يكن في البنادق، لأنّ البنادق كانت ستمحو ما تبقّى من امتيازاتهم.
هل كانت الحجّة الدينية صادقة؟
ولا يبدو أنه صدرت فتوى واحدة بتحريم الأسلحة النارية في دولة المماليك، والقول إنّ الغوري "حرّم البندقية" تبسيط مُخلّ، فما تنقله المصادر خليط: حجّة دينية ترى في البندقية "سنّة النصارى" اخترعها الأوروبيون لعجزهم عن مواجهة جيوش المسلمين، وحجّة تتعلّق بالشرف ترى أنّها سلاح غدر يقتل الرجل في غفلة، وحجّة رجولة ترى أنّ ما "ترميه امرأة" يُلغي التفوّق الجسدي الذي بُني عليه مجد الفارس.
ويميّز الباحث البولندي عطاء الله بوغدان كوبانسكي ويفصّل في الأمر، فالمماليك رأوا أنّه "يحرم استخدام النار ضدّ المسلمين، ويجوز استخدامها ضدّ الكفّار"؛ وهو ما قد يُفسّر استخدامهم المدافع البحرية ضدّ البرتغاليين في معركة شول (1508)، ورفضهم استخدامها ضدّ العثمانيين.
رسم إعدام طومان باي آخر سلاطين المماليك الشراكسة في مصر (أرشيفية)
يرى مؤرخون معاصرون أنّ الحجّة الدينية كانت تبريرا لاحقا لمقاومة مؤسسية جذورها اجتماعية. فالعثمانيون مسلمون لا يقلّون تديّنا، وقد تبنّوا البنادق بحماس. واستخدم المماليك أنفسهم المدافع الثقيلة في الحصارات بلا اعتراض. انصبّ الرفض تحديدا على بنادق المشاة التي تُهدّد احتكار الفارس لساحة المعركة، لا على البارود بحدّ ذاته، ويستبعد مؤرخو تلك الحقبة أن يكون التديّن عائقا؛ إذ لا يوجد أيّ دليل على أنّ الإسلام أعاق التكيّف مع التقنيات الجديدة، بل حدث تكيّف واسع مع تلك التقنيات في أنحاء مختلفة من جغرافيا العالم الإسلامي آنذاك.
مفارقة "التحديث الانتحاري"
لا تُختزل قصة المماليك والبندقية في صراع بين "التقليد" و"الحداثة"، فقد كانت هزيمة مرج دابق متعدّدة الأسباب: تفوّق عددي عثماني ساحق، وخيانة خاير بك، وانقسام داخلي بين المماليك القدامى (القرانصة) والجدد (الجُلبان)، وانهيار مالي جعل أيّ إصلاح عسكري مستحيلا. ذهب إروين إلى أنّ المماليك في الريدانية (1517) كانوا "في الواقع مجهّزين جيدا بالأسلحة النارية"، ولم ينقذهم ذلك أيضا.
وأيا كانت صحة الرواية من عدمها، فإنها تشير إلى مفارقة ما سمي بـ"التحديث الانتحاري" حين يُصبح تبنّي السلاح الجديد مرادفا لتدمير البنية الاجتماعية التي تقوم عليها الدولة؛ فالفارس الذي يترجّل ويحمل بندقية يكفّ عن أن يكون مملوكا، ويصير مجرّد جنديّ مشاة كأيّ عبد أو حرفيّ. وحين يتساوى الجميع أمام الزناد، ينهار التراتب العسكري-الاجتماعي الذي حكم مصر والشام قرنين ونصفا.
اختار المماليك، واعين أو غير واعين، أن يموتوا فرسانا على أن يعيشوا بنادقيّة.





أموت فارسا ولا أعيش "بندقية".. كيف أنهى البارود دولة المماليك؟





رد مع اقتباس