تلسكوبات فضائية تدرس الكون بعيدا عن قيود الغلاف الجوي الأرضي لتكشف أسرار الكون التي تخفى على التلسكوبات الأرضية (ناسا)

لم يكن إرسال التلسكوبات إلى الفضاء ترفا علميا، بل كان ضرورة حتمية فرضتها حدود الطبيعة؛ فبالرغم من صفاء سماء الأرض في بعض البقاع، إلا أن غلافنا الجوي يعمل كـ"ستارة" سميكة تمتص وتحجب معظم الأطوال الموجية القادمة من أعماق الكون، مثل الأشعة السينية، وأشعة غاما، ومعظم الأشعة تحت الحمراء.
علاوة على ذلك، تسبب الاضطرابات الهوائية في الغلاف الجوي تشتيتا للضوء (وهو ما يفسر تلألؤ النجوم)، مما يحرم التلسكوبات الأرضية من الوصول إلى الدقة المتناهية.
ورغم التكلفة الباهظة لهذه المراصد، والتي تقدر بمليارات الدولارات – كما هو الحال مع تلسكوب جيمس ويب الذي تجاوزت تكلفته 10 مليارات دولار- إلا أن الاستثمار في "العيون الفضائية" هو استثمار في المعرفة الوجودية.
فخلف الغلاف الجوي، تسبح هذه المراصد في فراغ كوني بارد ومستقر، مما يتيح لها التقاط أضعف إشارات الضوء التي سافرت لملايين السنين لتصل إلينا، محولة الفضاء من "ثقب أسود" من المجهول إلى سجل مفتوح يحكي قصة نشأة النجوم، وتطور المجرات، وأصل العناصر التي تشكلت منها أجسادنا.
سنتحدث عن 14 تلسكوبا فضائيا تجاوزت الغلاف الجوي كي تقدم لنا صورة جديدة بألوان وأطياف لا تراها عيوننا ولا تلسكوباتنا الأرضية مهما كان عظمها، لأن كثيرا من تلك الألوان محجوب عنا بقدرة ربنا الذي خلق الأرض وحماها بغلاف جوي لا يسمح إلا لنوافذ محدودة ينفذ إلينا الضوء من خلالها وتدعى نوافذ الغلاف الجوي.



تلسكوب جيمس ويب الفضائي (James Webb Space Telescope) أطلق تلسكوب جيمس ويب في أواخر عام 2021، كثمرة تعاون تاريخي بين وكالة الفضاء الأمريكية (ناسا)، ووكالة الفضاء الأوروبية (إيسا)، ووكالة الفضاء الكندية. ويمثل هذا التلسكوب ذروة الهندسة البشرية، حيث استقر في مدار يبعد عن الأرض نحو 1.5 مليون كيلومتر (في نقطة لاغرانج الثانية)، بعيدا عن التشويش الحراري لكوكبنا. ونقاط لاغرانج خمس، تسمح لما يوضع فيها أن يتم دورة واحدة حول الشمس في سنة كاملة، وكأنه واقف في مكان واحد بالنسبة للأرض. مهمة جيمس ويب الأساسية هي الرصد بالأشعة تحت الحمراء للنظر إلى بدايات الزمن ورؤية أولى المجرات التي تشكلت بعد "الانفجار العظيم". ومنذ إرسال صوره الأولى، أحدث ويب ثورة علمية؛ فقد رصد أقدم مجرة في الكون المعروف، والتقط صورا كيميائية دقيقة لأغلفة كواكب خارج مجموعتنا الشمسية، مما فتح الباب أمام احتمال البحث عن حياة في عوالم أخرى.




تلسكوب هابل الفضائي (Hubble Space Telescope).. أطلق في عام 1990 بالشراكة بين وكالة ناسا ووكالة الفضاء الأوروبية، ليكون أول مرصد بصري عملاق يوضع بعيدا عن عتامة الغلاف الجوي للأرض. يدور هابل على ارتفاع يصل إلى نحو 547 كيلومترا، وقد قدم للبشرية أرصادا فاقت في قيمتها ما رصده الفلكيون منذ اختراع التلسكوب على يد غاليليو. لقد كان هابل هو من حدد عمر الكون بدقة بـ13.8 مليار سنة، وصور "أعمدة الخلق" في سديم النسر، كما كشف عن وجود الطاقة المظلمة التي تسبب توسع الكون المتسارع، ليصبح الأيقونة العلمية الأكثر تأثيرا في التاريخ.



مرصد شاندرا للأشعة السينية (Chandra X-ray Observatory).. في عام 1999، أطلقت وكالة ناسا هذا التلسكوب ليكون "عين الفلكيين" على الكون العنيف. ويدور شاندرا في مدار بيضاوي مرتفع يصل في أقصى نقطة له إلى 133 ألف كيلومتر عن الأرض، مما يسمح له بالبقاء بعيدا عن أحزمة الإشعاع الأرضي لفترات طويلة. تخصص هذا المرصد في رصد الأشعة السينية المنبعثة من الغازات شديدة الحرارة التي تحيط بالثقوب السوداء وبقايا النجوم المنفجرة. ومن أهم إنجازاته تقديم أدلة قوية على وجود المادة المظلمة من خلال دراسة تصادم عناقيد المجرات، وتصوير الانفجارات الهائلة في مراكز المجرات البعيدة.



تلسكوب إقليدس (Euclid Telescope).. انضم إلى الأسطول الفضائي في عام 2023، وهو مشروع تقوده وكالة الفضاء الأوروبية بمساهمات علمية من ناسا. ويستقر إقليدس بجوار جيمس ويب في نقطة "لاغرانج الثانية" بعيدا عن الأرض، ومهمته العظمى هي رسم خارطة ثلاثية الأبعاد للكون تغطي مليارات المجرات عبر زمن كوني يمتد لـ10 مليارات سنة. ويسعى إقليدس لفك لغز "المادة المظلمة" و"الطاقة المظلمة"، وقد أذهل العلماء بصوره الأولى التي أظهرت آلاف المجرات في لقطة واحدة بدقة بانورامية لم يسبق لها مثيل.



تلسكوب غايا (Gaia Telescope).. أطلقته وكالة الفضاء الأوروبية في عام 2013، ليعمل كـ"مساح" لمجرتنا درب التبانة. ويدور غايا أيضا في مدار بعيد حول الشمس، ومهمته الأساسية هي قياس مواقع وحركات وسطوع أكثر من مليار نجم بدقة متناهية. وبفضل بيانات غايا، تمكن العلماء من رسم أدق خارطة ثلاثية الأبعاد للمجرة، واكتشفوا من خلالها أن درب التبانة قد تعرضت لعدة تصادمات مع مجرات صغيرة في ماضيها السحيق، مما ساعد في فهم كيف تتطور المجرات وتكبر.



تلسكوب فيرمي لأشعة غاما (Fermi Gamma-ray Space Telescope).. انطلق في عام 2008 بالشراكة بين ناسا ومؤسسات علمية في فرنسا وإيطاليا واليابان والسويد. ويدور في مدار منخفض حول الأرض على ارتفاع 550 كيلومترا، ليرصد أعلى أشكال الطاقة في الكون وهي أشعة غاما. ومنذ إطلاقه، اكتشف فيرمي هياكل غامضة وعملاقة تنبثق من قلب مجرتنا سميت بـ"فقاعات فيرمي"، كما رصد مئات الانفجارات الكونية (وميض غاما) التي تطلق في ثوان طاقة تفوق ما تطلقه الشمس في مليارات السنين، مما عزز فهمنا للثقوب السوداء والنجوم النيوترونية.



تلسكوب نانسي غريس رومان (Nancy Grace Roman Space Telescope).. الذي ما زالت ناسا تطوره وتخطط لإطلاقه في عام 2027، كواحد من الجيل القادم من المراصد العملاقة. وقد صمم هذا التلسكوب ليمتلك قدرة تصوير تعادل 100 ضعف مجال رؤية كاميرات تلسكوب هابل، مما يجعله قادرا على مسح السماء بسرعة مذهلة. وستتركز مهمة تلسكوب رومان على البحث عن الكواكب النجمية الصالحة للحياة ودراسة توزيع المجرات لفهم الطاقة المظلمة. ويتوقع العلماء أن يقدم رومان "صورا بانورامية" للكون ستغير فهمنا لتوزع المادة المظلمة بين المجرات.



تلسكوب تيس (TESS Telescope).. أطلقته وكالة ناسا في عام 2018 ليكون "صائد الكواكب النجمية" الأعظم. فهو يدور في مدار فريد وعال جدا حول الأرض، ومهمته هي مسح النجوم الساطعة القريبة بحثا عن كواكب صالحة للسكن. وخلال سنوات عمله، اكتشف "تيس" آلاف الكواكب المرشحة خارج مجموعتنا الشمسية، بما في ذلك كواكب صخرية في "النطاق الصالح للحياة"، مما يمهد الطريق لتلسكوبات مثل "جيمس ويب" لدراسة أغلفتها الجوية بالتفصيل.



تلسكوب نوستار (NuSTAR Telescope).. أطلق بواسطة ناسا في عام 2012، وهو أول مرصد فضائي قادر على تركيز الأشعة السينية عالية الطاقة بدقة كبيرة. ويدور نوستار على ارتفاع 550 كيلومترا، ويتميز بذراع طويلة تمتد بعد الإطلاق لتوجيه الأشعة نحو مستشعراته. وقد حقق نوستار إنجازات فريدة في رؤية الثقوب السوداء التي تختبئ خلف سحب كثيفة من الغاز والغبار في مراكز المجرات، كما صور بقايا النجوم المنفجرة بدقة كشفت عن كيفية توزيع العناصر الثقيلة في الفضاء بعد موتها.



مرصد إكس إم إم نيوتن (XMM-Newton Telescope).. أطلق في عام 1999 بواسطة وكالة الفضاء الأوروبية، ليكون أحد أكبر تلسكوبات الأشعة السينية في التاريخ. وهو يدور في مدار بيضاوي واسع يمتد حتى 114 ألف كيلومتر عن الأرض. ويتخصص هذا المرصد في دراسة الغاز الساخن جدا الذي يملأ الفراغات بين المجرات، ومن أهم إنجازاته مراقبة نمو الثقوب السوداء العملاقة وتتبع كيفية انتشار الكربون والحديد والأكسجين في الكون، وهي العناصر الأساسية للحياة.



مسبار نايسر (NICER Probe).. ليس قمرا صناعيا مستقلا، بل جهاز متطور أطلقته ناسا في عام 2017 وتم تثبيته على متن محطة الفضاء الدولية. وتتلخص مهمته الفريدة جدا في دراسة النجوم النيوترونية فائقة الكثافة. وقد حقق نايسر إنجازا تاريخيا برسم أول خريطة لسطح نجم نيوتروني، كما أثبت إمكانية استخدام هذه النجوم كمنارات تحديد مواقع (جي بي إس) كونية لتوجيه المركبات الفضائية في رحلاتها إلى المريخ وما بعده.



تلسكوب إكسبي (IXPE Telescope).. أطلق في عام 2021 بالتعاون بين وكالة ناسا ووكالة الفضاء الإيطالية. ويدور على ارتفاع 600 كيلومتر، ومهمته متخصصة جدا وهي قياس "استقطاب" الأشعة السينية. هذا التخصص سمح للعلماء برؤية شكل المجالات المغناطيسية حول الثقوب السوداء لأول مرة، مما كشف عن كيفية قذف هذه الثقوب للمادة بسرعات تقترب من سرعة الضوء، وهو لغز حير العلماء لعقود.



مرصد سويفت (Neil Gehrels Swift Observatory).. أطلقته ناسا في عام 2004 بالتعاون مع إيطاليا وبريطانيا، ليكون "المستجيب السريع" للانفجارات الكونية. ويتميز سويفت بقدرته على توجيه نفسه آليا نحو أي وميض لأشعة غاما خلال ثوان معدودة. وبفضل هذه السرعة، رصد سويفت أبعد انفجار نجمي في الكون على بعد 13 مليار سنة ضوئية، مما وفر للعلماء رؤية نادرة لما كان يحدث في الكون عندما كان في مهده. وبسبب احتكاكه بالغلاف الجوي يواجه سويفت انخفاضا في مداره يهدده بالسقوط. وقد وظفت ناسا شركة إنقاذ بتكلفة 30 مليون دولار لإرسال مركبة فضائية مخصصة لرفع مدار سويفت، ومن المقرر إطلاق هذه المهمة في صيف 2026، لنقله إلى ارتفاع أكثر أمانا، وهو أمر حاسم لاستمرار تشغيل المسبار.



تلسكوب إنتيغرال (INTEGRAL Telescope).. أطلقته وكالة الفضاء الأوروبية في عام 2002 بالتعاون مع روسيا والولايات المتحدة. ويدور التلسكوب في مدار مرتفع يصل إلى 150 ألف كيلومتر، ومهمته هي دراسة "الكيمياء النووية" للكون عبر أشعة غاما. ومن أهم أرصاده تقديم خرائط تفصيلية للإشعاعات الناتجة عن فناء المادة والمادة المضادة في قلب مجرتنا، وتأكيد أن العناصر الثقيلة والنفيسة كالذهب والبلاتين تصنع في أفران الانفجارات النجمية العنيفة.