على حجر صُقل قبل أكثر من خمسة قرون، يمرّ طالب يده داخل صف بمدرسة القاسمية في ماردين، جنوب شرقي تركيا. الدرس اليوم عن العمارة الإسلامية في العصور الوسطى، والمكان الذي يدرس فيه هو نفسه موضوع الدرس. "حتى مجرد استنشاق هواء هذا المكان له قيمة ومعنى"، يقول إبراهيم أوزقوشار، رئيس جامعة ماردين آرتقلو التي أعادت إلى القاسمية وظيفتها الأصلية. وهو لا يبالغ كثيرا.
بعد صمت امتدّ قرنا كاملا تقريبا، عاد التعليم إلى مدرسة القاسمية بصيغة تشبه ما كان: طلّاب، وأساتذة، ودروس، خمسة أيام في الأسبوع. لكن هذا الرجوع أعقد مما يبدو؛ فالمدرسة التي ظلّت تُدرِّس العلوم الدينية والتطبيقية -الطبّ والفلك والرياضيات والكيمياء- على مدى نحو خمسمئة وعشرين عاما، توقّفت دفعة واحدة مع اندلاع الحرب العالمية الأولى. ثم مرّت بأدوار أخرى أغربها: ثكنة عسكرية حتى عام 1940، ثم متحف، قبل أن تستعيد دور المَدرسة.
أالمدرسة القاسمية التاريخية تستضيف حاليًا دروسًا لمرحلتي البكالوريوس والدراسات العليا. (الأناضول)
قرن من الصمت
في أوائل القرن العشرين فقدت القاسمية طلّابها كما فقدت كثير من مؤسسات التعليم العربي والعثماني في تلك اللحظة المضطربة رجالَها وكتبَها ودروسَها. الحرب أفرغتها من الحياة وأدخلت إليها السلاح. ثم لمّا انصرف السلاح، دخل السياح والمتفرّجون؛ صارت القاسمية قطعة أثرية، جميلة لكنها صامتة.
هذا الصمت كان جزءا من قصة أكبر، قصة تحوّل المدرسة الإسلامية التقليدية في كثير من الأمصار من مؤسسة حية تُنتج المعرفة إلى متحف يُنظر فيه إلى ماض. وعودة القاسمية إلى التدريس، بهذا المعنى، ليست تحديثا لفنيّات الإدارة وحسب، بل محاولة لإعادة وصل خيط مقطوع.
المدرسة القاسمية التاريخية جنوب شرقي تركيا خرّجت آلاف العلماء على مدى نحو 520 عامًا (الأناضول)
حين كانت القاسمية قاسمية
أُسّست القاسمية في الفترة الفاصلة بين دولتي الأرتقيين والآق قوينلو، في القرن الخامس عشر الميلادي. ولم تكن مدرسة دينية بحسب المفهوم الضيّق للكلمة؛ فعلى أبواب فصولها الثلاثة والعشرين لا تزال تُرى رموز تدلّ على تخصّصاتها المختلفة. كانت تُدرَّس فيها العلوم التي صارت اليوم تُسمّى علوما حديثة: الطبّ والفلك والرياضيات والكيمياء، إلى جانب علوم اللغة والشريعة.
يقرأ أوزقوشار في العودة إلى القاسمية -التي تشرف جامعته على تشغيلها منذ عام 2020- رسالة يريدها واضحة؛ تراث ماردين العلمي ليس متحفيا، ويمكن أن يُستأنف. ويُحيل في حديثه إلى اسم يتردّد كثيرا بين الطلّاب: الجزري، الموسوعيّ والمهندس الأرتقيّ الذي ترتبط به المدينة في الذاكرة الشعبية، والذي تُعدّ كتبه في "الحيل الهندسية" من أوائل ما وضعه العالم الإسلامي في الميكانيك التطبيقي.
أُعيد افتتاح المدرسة القاسمية التاريخية في مدينة ماردين بعد انقطاع دام نحو قرن (الأناضول)
على خطى الجزري
لطفي باران، طالب يدرس الحديث والتفسير داخل القاسمية، يختصر إحساس زملائه بجملة واحدة: "أن تتعلّم حيث تعلّم الجزري شعور لا يُوصف". هذا الإحساس، على رمزيّته، يُشير إلى شيء جوهري في تجربة الطلّاب؛ الدرس ليس محتوى يُلقى في قاعة، بل بيئة تُلقِّن دون أن تقول.
ما ينسبه الوجدان المحلي إلى الجزري من تتلمذ في القاسمية لا يصمد أمام التدقيق التاريخي الصارم؛ فالرجل عاش في القرن الثاني عشر، قبل بناء المدرسة بنحو قرنين ونصف، لكنّ ذاكرة ماردين تتعامل مع الجزري بوصفه ابنها الأكبر، وتُقرّبه من كل معلم علمي فيها. هذا نوع من الانتماء الوجداني الذي تعرفه المدن ذات التاريخ الطويل، وتعزّي به نفسَها على ما فقدت.
اختيارُ الطلّاب مواضيعَ دراستهم يعكس هذا الوعي بالمكان. إسراء إرجين، وهي من أهل ماردين وتدرس تاريخ الفن والآثار، تقول إنهم يدرسون داخل المبنى "تاريخ السلاجقة الأناضوليين، والفنّ الإسلامي في العصور الوسطى، وفترتَي الأرتقيين والآق قوينلو"، ويفعلون ذلك داخل بناءٍ ينتمي بالضبط إلى آخر هذه الفترات. الدرس والمكان يُصدِّقُ أحدهما الآخر.
أالمدرسة القاسمية التاريخية في مدينة ماردين جنوب شرقي تركيا من أبرز المعالم التعليمية في المنطقة،. ( الأناضول )
في مدينة الأديان
لا يمكن فصل القاسمية عن ماردين نفسها. المدينة التي يُنظر إليها باعتبارها نموذجا للتعايش بين الأديان والثقافات واللغات ترى في مدرستها المستعادة بيانا ثقافيا عن استمرارية هذا النموذج، لا مجرّد إحياء لمبنى. يستخدم أوزقوشار هذا التعبير صراحة حين يقول إن ماردين "ترسل رسائل إلى العالم" عبر قدرتها على حمل تاريخها دون أن ينكسر.
خمسة من فصول القاسمية الثلاثة والعشرين تحتضن اليوم طلّاب الهندسة المعمارية والسياحة وعلوم الدين والفنون الجميلة، إلى جانب قسم الإرشاد السياحي الذي يجد في المدرسة نفسها مادة تدريبية. ثمة اتساق بالغ في أن يتمرّن الطالب على شرح أثر معماري وهو يقف داخله، لا خارجه.
في آخر النهار، حين تخفت الشمس على الحجر الأصفر وتنصرف الدروس، تعود القاسمية إلى سكونها القديم. لكنّه اليوم سكون من نوع آخر؛ ليس سكون المتاحف الباردة، بل سكون بيت فرغ للتوّ من أهله، في انتظار أن يعودوا في الصباح.





ماردين.. إعادة افتتاح مدرسة القاسمية التاريخية مركزا تعليميا بعد قرن من التوقف




رد مع اقتباس