من أهل الدار
تاريخ التسجيل: November-2020
الدولة: بغداد
الجنس: ذكر
المشاركات: 48,849 المواضيع: 14,310
مزاجي: متفائل دائماً
المهنة: موظف حكومي
أكلتي المفضلة: البرياني
موبايلي: غالاكسي
آخر نشاط: منذ 8 دقيقة
"فوق رأسي سحابة".. تحول الضحية إلى جلاد في رحلة الثأر بين الإسكندرية واليابان

رواية (فوق رأسي سحابة) للكاتبة والطبيبة المصرية دعاء إبراهيم
وصلت رواية (فوق رأسي سحابة) للكاتبة والطبيبة المصرية دعاء إبراهيم إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية متنافسة مع خمس روايات عربية أخرى إحداها مصرية وهي (أصل الأنواع) للكاتب أحمد عبد اللطيف.
وتتمحور قصة الرواية التي تدور أحداثها في مكانين وزمانين مختلفين (مصر واليابان) حول قصة القاتلة المتسلسلة نهى التي تعمل رئيسة للممرضات في أحد المستشفيات الحكومية لمدينة الإسكندرية، حيث تستغل وظيفتها لقتل خصومها عن طريق حقنهم بإبرة فيها سائل يؤدي إلى مقتلهم على الفور.
وهذا يذكرنا بشخصية (أومامة) في رواية (IQ84) للكاتب الياباني هاروكي موروكامي، مدربة اللياقة البدنية التي تقتل ضحاياها بوخزهم بإبرة تسبب لهم سكتة دماغية، لكن أومامة قاتلة مأجورة أما نهى فليست كذلك، لكن مسار حياتها والعدوان الذي تعرضت له منذ طفولتها دفعاها إلى أن تقتل كل من تسبب في أذيتها باستثناء المذنب الأكبر في حقها وهو خالها الذي اغتصبها وهي بعمر اثني عشر عاماً وحبلت منه وأجهضت، لكنها على العكس ارتضت أن تقتل كثيرين إلا هو، وقد بكته عندما توفي.
متلازمة استوكهولم
وهذا يذكرنا بمتلازمة ستوكهولم التي تتعلق فيها الضحية بجلادها، ومع أنه سبب نكبتها النفسية والجسدية، إلا أنها استثنته من فعل القتل، فهل كانت تحبه يا ترى؟ فمن خلال حواراتها عنه يتضح ذلك.
"الوجود الذي تتمحور حوله حياتي" هو الذي كان يستبيح جسدها في غرفتها الخاصة على صوت تلاوة القرآن الكريم في ازدواجية واضحة في شخصيته"
وليس هذا فقط وإنما كانت تعتبر نفسها مذنبة حين تسأله "هل ستخبر جدتي بالأمر؟" يجيبها "إن سمعتِ الكلام وقعدتِ عاقلة مش هتعرف حاجة"، فمن يتتبع شخصية نهى يستطيع أن يحلل لماذا لم تعتبر خالها مذنباً، وإنما أمها وأباها اللذين تخليا عنها وهي طفلة فأصبحت فريسة سهلة لهذا الوحش المفترس، لذلك تقتلهما لاحقاً، فوالدها تركها هي وأمها عندما كانت طفلة صغيرة وهاجر إلى اليابان نهائياً من أجل معشوقته، وأمها قضت وقتها في زيجات متعددة مشبوهة متنقلة بين أحضان رجال كثر كعاهرة مهملة ابنتها التي عاشت في منزل جدتها ومنازل كثيرة أخرى لأن أزواج أمها لا يريدونها.
وجدتها هذه يعيش معها ابنها الخال المغتصب وهي لا حول لها ولا قوة، فأمامها كان يعامل ابنة أخته كابنة له وفي الغرفة يعتدي عليها متى يشاء، هذا الخال الذي مات مبتسماً على فراشه وكأنه لم يفعل شيئاً، وبكته نهى للمفارقة وحزنت عليه، وبموته تغير مصيرها فبعد أن كانت تريد أن تدرس الطب فقد تخلت عن رغبتها هذه ودرست التمريض وتعينت في مستشفى حكومي وأصبحت الممرضة اللطيفة المحبوبة من الجميع وخصوصاً أهالي المرضى، فلم يخطر على بال أحد أن ذلك الملاك الأبيض البشوش الطيب يخفي داخله مجرماً خطيراً فتترقى وتصبح رئيسة للممرضات في المستشفى لتبدأ معها رحلتها الجديدة مع القتل.
الغراب وقابيل
لكنها لا تعتبر نفسها مذنبة فهي تقوم بواجبها فهكذا يخبرها صديقها الغراب الذي يقول لها من يجب أن يموت اليوم "لا مجال للهرب يا حبيبتي"، فهذا الغراب هو نفسه الذي كان يخبر بطل رواية هاروكي موروكامي (كافكا على الشاطئ) بما يجب أن يفعل حيث كان يرشده ويساعده، وهو نفسه الذي أرشد قابيل ذات يوم لمكان دفن أخيه هابيل الذي قتله، وقابيل نفسه هو حبيب نهى وارتكب جريمته بحق أخيه من أجلها هكذا تخبرنا لاحقاً.
حقنة الموت
أولى ضحايا نهى هي أمها فالغراب يخبرها أنها ستموت اليوم فتمتنع عن إعطائها حبة الدواء التي تقيها من الجلطة الدماغية، وحين يسعفونها إلى المستشفى تحقنها بسائل شفاف يؤدي إلى وفاتها، أما ضحيتها الثانية فهو بواب المستشفى الذي كان يتحرش بها ويلمس جسدها كلما صادفها فتحقد عليه وتقرر قتله فتحقنه هو الآخر بحقنة الموت فترديه صريعاً، أما ضحيتها الثالثة فهو الطفل الشرير (كما تسميه) نزيل المستشفى الذي يهزأ من الممرضات ويبكي متعمداً كي يوبخ أهله الممرضات ويصرخون عليهن فتقوم بقتله أيضاً، أما الضحية الرابعة فهو أحد المرضى الذي حاول التحرش بها مراراً.
أما ضحيتها الخامسة فهي خارج حدود البلاد وفي اليابان تحديداً وهو والدها، حيث تقرر أن تترك مصر وتسافر إليه فيستقبلها ويوظفها في المطعم الذي يملكه فتتعرف على مديرة المطعم (تومودا سان) وتشاركها السكن وتصبحان صديقتين مقربتين ليخبروها في أحد الأيام أن والدها أصابته جلطة في قدمه ونقل إلى المستشفى، فيخبرها الغراب أنه سيموت اليوم لكنها لا تملك السائل الذي تحقن به ضحاياها فتحقنه بإبرة هواء "50 مليغراماً من الهواء تكفي لقتل شخص"، لكن والدها يبتسم ابتسامة حب في وجهها وهي تقوم بحقنه بالإبرة مما يدفعها للبكاء.
"سالت من عيني دموع حين ظننت أنه تصالح معي وسامحني، لا أريد لأحد أن يسامحني"
ثم يموت بعدها ويكون هو آخر ضحاياها وآخر جريمة ترتكبها. وتكمل بعدها حياتها في اليابان مع تومودا سان التي تقع في حبها لكنه حب من طرف واحد فنهى تتعرف على رجل ستيني وتبدأ بحبه مما يثير غيرة تومودا فتقرر أن تنتحر لرفض نهى لها فترمي نفسها من النافذة وتموت.
المفارقة والعقاب الإلهي
"أدركت أن الموقف أكبر من سفر أولادها وحنينها إليهم، أدركت أن فوق رأسها سحابة" لتكون هذه هي المرة الأولى التي ترد هذه العبارة فيها على لسان البطلة التي سميت الرواية باسمها فتتهم نهى بقتلها وتدخل السجن وهنا تكمن المفارقة في الرواية فالجريمة الوحيدة التي لم ترتكبها دخلت من أجلها السجن وكأنه عقاب إلهي على الجرائم التي ارتكبتها سابقاً.
السجن في اليابان أسوأ مكان يمكن أن يدخله إنسان رغم التقدم الحضاري الذي وصل إليه شعب ذلك البلد فيتعرض داخله المتهم لشتى أنواع التعذيب النفسي والجسدي كي يعترف بجريمته حتى وإن كان بريئاً.
لكن نهى لم يعد يهمها هذا التعذيب الذي تتعرض له من المحقق فأصبحت تتلذذ بالألم ويجعلها سعيدة فقد تحولت إلى شخصية مازوشية "الألم مريح وقاتل، يعطيك خدراً نادراً" وتكمل محدثة نفسها وهي تحت قدم المحقق الذي يقوم بتعذيبها "الحياة مؤذية للغاية، ليتني كنت مكانك أرتدي حذاءك أركل به المجرمين أمثالي وألعنهم، لكنني وللأسف ولدت وفوق رأسي سحابة، لا شمس مضيئة راعية" وتكون هذه هي المرة الثانية التي تنطق بها بهذه العبارة.
حيث تأخذ السحابة في العنوان مدلول المصائب والمصاعب فهي تحجب الشمس عن عيون هذه الفتاة التي حولها غياب الأب وإهمال الأم واغتصاب الخال إلى وحش بشري لم يعد يهمه ألم الآخرين أو ألمه الذاتي لتقول في مقطع آخر أثناء جلوسها أمام المحقق الذي يحمل سيجارة في يده ويقربها منها ليخيفها "أنتظر اللحظة التي يطفئها في داخلي، لحظة ألم قادرة على إذابة أعصابي، كأن للألم قوة غاشمة في إرعابي، ثم في جعلي أبتسم أنتشي أنتظر التهديد الجديد" وهكذا نكتشف الجانب الذي وصلت إليه نهى نفسياً.
ليحكم عليها لاحقاً بعشرين عاماً في السجن تخرج بعدها بريئة لتكون قد عوقبت على كل الجرائم التي ارتكبتها بفضل جريمة وحيدة لم ترتكبها لذلك أهدت دعاء إبراهيم روايتها هذه في افتتاحيتها إلى الملاكم الياباني (إيواوا هاكامادا) الذي اتهم بالقتل وحكم بالإعدام وظل 48 عاماً على لائحة الإعدام ليطلق سراحه بعدها وتبرئته وهو في عمر الثامنة والسبعين.
أصوات متعددة ولغة متينة
قدمت دعاء إبراهيم روايتها هذه بلغة مسبوكة ومحبوكة بعناية فائقة فكانت بليغة دون تكلف وفق سرد بطيء متصاعد ينضج تدريجياً لنصل إلى ذروات متتالية لتقدم لنا شخصية معقدة مركبة عميقة سيكولوجياً قالت عنها الراوية "الحالة النفسية المركبة للبطلة تسببت لي في بعض أعراض القلق كالصداع والتوتر وآلام الرقبة وخصوصاً أثناء كتابة الاعتداء الجسدي ومشاهد الزنزانة" ومع الرغم من ذلك لم تصفها بالجنون والفصام وإنما تركت للقارئ أن يكتشف ويلاحظ ذلك.
كما تعددت الأصوات في الرواية فكان بالإضافة لصوت نهى هناك صوت الغراب الذي يخبرها من سيموت وهو صوتها الداخلي الذي تجسد على هيئة غراب تراه هي فقط وصوت قابيل القاتل الأول في التاريخ الذي تعتبره حبيبها فكنا أمام رواية شبه بوليفونية كما استخدمت الكاتبة التداعي الحر أو تيار الوعي كما يسميه عالم النفس والفيلسوف الأمريكي ويليام جيمس فتحكي البطلة موقفاً حدث معها في كوموماتو في اليابان يذكرها بمواقف حصلت معها في الإسكندرية مسترجعة ذكرياتها فيها لتعود لاحقاً إلى المكان الجديد الذي تصفه دلالة على تشظٍّ داخلي يصيب البطلة كما استخدمت الكاتبة تقنية الفلاش باك أيضاً في أماكن كثيرة.
المكان بطلا
أولت دعاء إبراهيم للمكان الذي تدور به أحداث روايتها أهمية كبيرة وخصوصاً في الجزء المتعلق باليابان حين انطلقت بطلة الرواية نهى إلى هناك فأعطت مساحة كبيرة من السرد لوصف تلك البلاد وأمكنتها ولطف شعبها وانضباطهم والتزامهم بالقوانين فتغير عليها كل شيء وشعرت بالخجل من فيض الحب الذي أعطاه لها هذا الشعب فهم دائماً يبتسمون في وجهها فلاحظت فرقاً كبيراً في التعامل بينهم وبين شعب بلدها الأصلي مصر.
كما أنها لم تنسَ ذكر الزلازل الكثيرة التي تصيب اليابان ووصف تمايل المباني ومشاهدتها لها لتؤكد على خصوصية تلك البلاد من هذه الناحية فكان هذا الموضوع وكأنه أقحم عنوة لفرض واقعية على النص لا تحتاجها الرواية أصلاً فهي رواية بوليسية سيكولوجية بالدرجة الأولى تبين دوافع شخصيتها التي أوصلتها إلى طريق الجريمة فتحولت من ضحية إلى جلاد أراد الانتقام من كل من آذاها فكانت رواية عن الثأر والظلم سلطت فيها الكاتبة الضوء على زنى المحارم وعمليات التحرش الكثيرة التي تتعرض لها المرأة في مجتمعها وعمليات الإجهاض وأخطارها على النساء فكانت رواية جريئة وعميقة حجزت لكاتبتها مكاناً مهماً في الأدب العربي الحديث فكانت بداية قوية لها ورسختها كاسم جديد موهوب.